+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 12

الموضوع: القيـــــادة والإِدارة فــي الإِســـلام

  1. #1
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    القيـــــادة والإِدارة فــي الإِســـلام

    هذا البحث من "مقالات اسلاميه " للشهيد مطهري وهو يحث طويل يمكن تقسيمه لعده اقسام وهي :

    1-الرشد في المجتمع الإِسلامي

    2-الرشد الإجتماعي والشعبي

    3-الرشد الفردي والأخلاقي
    أ-إدارة الذاكرة
    ب-الرشد في العبادة

    4-الإمامة والقيادة

    5-إبراهيم القائد والإمام

    6-مصادر لدراسة القيادة في الإِسلام
    أ-القراءة العميقة لسير الأنبياء والأولياء
    ب-التعاليم الإِسلامية في القيادة

    7-شواهد من تاريخ الإِسلام

  2. #2
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    قال تعالى:
    {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(البقرة/124).

    1-الرشد في المصطلح الإِسلامي

    لأجل التعرف على الإِدارة والقيادة في الإِسلام، يلزم، علينا في البداية أنْ نتعرف، على مفهومين من المصطلحات الإِسلامية.

    الأوّل: الرُّشد وهو اصطلاح تذكره الكُتب الفقهية بالخصوص، وقد استُمِدَّ من القرآن الكريم.

    والثاني: وهو الأهمّ مفهوم (الإِمامة).


    (الرشد): كلمةٌ اقتُبِسَت من القرآن الكريم، واستعملها في الأطفال الذين يمتلكون ثروة، ولكن لا وَليَّ لهم.
    فذكر بأنّه لا بُدّ من جعل القيّم عليهم إلى سنّ البلوغ، لإدارة شؤونهم وثروتهم، فلا تبقى هذه الثروة تحت تصرفهم، فالبلوغ شرط، ولكنه لا يكفي لوحده؛ بل لابدّ من الرشد أيضاً.

    يقول القرآن الكريم: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}(النساء/6)؛ أي أنّ البلوغ الجنسي لا يكفي لوحده؛ بل، لابُدّ من الوصول لرشدهم، كشرطٍ لإِيداع الثروة في أيديهم.

    ومن المسلّمات الفقهية: أنه لا يكفي في الزواج البلوغ والعقل فحسب، بالنسبة للولد والبنت كليهما؛ بل، لابد بالإِضافة إليهما، أنْ يتّصف الولد أو البنت بميزة (الرشد).

    والعقل غير الرشد؛ فالإِنسان إمّا أنْ يكون عاقلاً أو مجنوناً؛ والعاقل إمّا أن يكون رشيداً أو غير رشيداً؛ فالعاقل البالغ قد يكون رشيداً وقد لا يكون رشيداً.
    والملاحظ أنّ الذي يُفهم اليوم من مفهوم الرشيد، في أذهان البعض، هو الرشاقة، فإذا كان الإنسان رشيقاً، حسن المظهر يقال له (رشيد)، وهذا المفهوم غريب عن المصطلح الإِسلامي الأصيل، دخل في الأذهان نتيجة الفهم السيء للمفاهيم الإسلامية.

    تعــريف الرّشـــد

    إذا أردنا تعريف الرشد تعريفاً شاملاً لجميع أنواعه، وفي مختلف المجالات، فلا بُدَّ أن تقول بأنّه:عبارة عن نوع من الكمال الروحي والمعنوي، بمعنى أنْ تكون للإنِسان قدرة الإِدارة والمحافظة على إمكاناته وطاقاته الماديّة والمعنوية، وحسن الإِنتفاع بها.

    فالإِنسان الذي يمتلك وظيفةً ما، في أيّ مجالٍ من مجالات الحياة، وله القدرة على المحافظة عليها، والاستفادة الصحيحة منها: فيقال لهذا الشخص أنه (رشيد).

    ولا ينحصر ذلك في المجال المالي؛ بل يشمل مختلف المجالات، كإدارة الزوجة والأولاد فإنّها من المجالات التي يلزم عليه إدارتها والمحافظة عليها.

  3. #3
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    2-الرّشد الإِجتماعي والشعبي

    لا ينحصر الرُّشد بالفرد، ففي المجتمعات والشعوب توجد إمكانات وطاقات، طبيعية وإنسانية وعلمية وأمثالها، قد أُودِعت بأيدي الشعوب.

    وهذا الرشد يعني: قدرة الشعب والمجتمع على الإِدارة، وحسن الإِنتفاع من هذه القُدرات المادية والإِنسانية؛ ويُقال لمثل هذا الشعب: إنّه (رشيد).

    والإِدارة والقيادة التي نبحث عنها، تُلازم نوعاً من الرشد؛ إذ القيادة عبارة عن تعبئة القوى الإِنسانية والاستفادة الصحيحة منها.

    ولأجلِ توضيح هذه الفكرة أكثر، أضربُ مثالين للرشد الشخصي الفردي، على ضوء ما ذكرناه من تعريف الرشد، وإنه عبارة عن القدرة على الإدارة والقدرة على الإنتفاع الصحيح من الطاقات.


    3-الرّشــد الفردي والأخلاقـــي

    النوع الأوّل من أنواع الرشد، الرشد الفردي والأخلاقي.
    وهنا يبرز سؤال:
    هل يتمكن أكثر أفراد أن يُديروا طاقاتهم وإمكاناتهم وأنْ ينتفعوا بها؟ كلا؛ فالقليل، هم الذين يتمكّنون من الاستفادة الصحيحة من المواهب والإِمكانات الكامنة في الإِنسان.

  4. #4
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    أ-إدارة الذّاكـــــرة

    المثال الأوّل: يدور حول القوى الإِدراكية للإِنسان؛ فإنّ الأفراد يختلفون فيما بينهم، من حيث الفهم والإدراك، وقوة الحفظ والذاكرة.
    والإنسان الرشيد، هو الذي يمكنه الاستفادة الصحيحة من ذاكرته.

    وأمّا غير الرشيد، فيمكن أن تكون له ذاكرة قوية جدّاً، ولكن لا يمكنه الانتفاع منها، واستثمارها؛ بل يتصور أنّ الذاكرة مستودع يجب ملؤه بكلّ شيء، وبكل ما يعثر عليه، كمستودع البيت الممتلئ بكل شيء، حتى بالأشياء البيتية الزائدة، وبصورة غير منظّمة.

    وأمّا الإنسان الرشيد، فيفكّر حول الأُمور التي يملأ بها ذاكرته، ولا ينتقي منها إلاّ الجيد المفيد؛ إنّ ذاكرته مقدّسة، ولا يجدر بـهِ أنْ يملأها بأيّ شيء، فيلاحظ أولاً أيّ شيء يفيده، وأيّ شيء لا يفيده، وهناك من الأمور ما يفيد، وما مقدار فائدته، ويصنع قائمة لكل هذه الأمور؛ ثم بعد ذلك ينتخب ما هو أكثر فائدة لذاكرته، ويعتبرها كالأمانة التي يلزمه المحافظة عليها، فيجب أنْ يتعرّف ذهنه على المسائل العلميّة أوّلاً، وبصورة دقيقة وواضحة، ثم بعد ذلك ينقلها لذاكرته.

    ومثاله الواضح: في قراءة الكتاب، فإنّ الإِنسان تارة يطالعه مرة واحدة، قراءة عابرة لأجل الإِلتذاذ به، ولكن بهذه القراءة الخفيفة، لا يتمكّن من تقييم محتويات الكتاب، فيجب أنْ يقرأه ثانية.

    وكل ذاكرةٍ، مهما كانت قويةً، تفتقر إلى قراءة الكتاب الجدير بالقراءة، مرتين على الأقلّ، وبصورة متوالية؛ وبعد ذلك يحاول التحقيق حول كل فكرة من ذلك الكتاب، وتمحيصها وتحليلها، وملاحظة المطالب التي سيحتفظ بها في ذاكرته.

    ثم بعد ذلك يحاول أن يقرأ كتاباً آخر في نفس الموضوع، الذي يدور حوله الكتاب السابق، حتى لا يمتلئ ذهنه بموضوعات متعدّدة، متباينة وبصورةٍ غير منظمة.
    وهنا يحاول قدر الإِمكان، أن يملأ ذهنه، بما له علاقة بالموضوع نفسه، ليكون أكثر تعرّفاً عليه، وأكثر ترسيخاً في ذهنه.

    فمن الخطأ أنْ يقرأ كتاباً، وقبل التعرّف على محتوياته ومضامينه، والتحقيق حولها، وهضمها، ينتقل لكتابٍ آخر، يختلف عنه في موضوعه؛ فيقرأ في هذا اليوم كتاباً في التأريخ، وغداً كتاباً في الفلسفة، وبعد غدٍ كتاباً في العلوم الدينية؛ وهكذا، ينتقل في كل يوم من كتابٍ إلى آخر، يختلف عنه في الموضوع، حيث تختلط الأفكار في ذهنه.

    الإنسان الرشيد يبحث في الكتب المفيدة له، ويجمعها، ويكرِّر قراءتها ثم يلخصها، وهذه الخلاصة يودعها في ذاكرته، ثم بعد ذلك ينتقل لموضوع آخر.

    ومثل هذا الفرد، حتى لو كانت ذاكرته ضعيفة، ولكنه رغم ذلك، أكثر استفادة وانتفاعاً من الشخص المتخبِّط في قراءاته، وإنْ كان قوي الذاكرة.

    ويكون مثله كالشخص الذي يمتلك مكتبة منظمة في موضوعاتها، وتوزيع كتبها؛ حيث يتمكّن وبلحظة واحدةٍ، أنْ يتعرف على موضع أيّ كتاب؛ ولكن، هناك مَنْ يمتلك مكتبة كبيرة، واسعة وكتباً كثيرة، ولكنها متراكمة غير منظمة، لا يستطيع العثور على كتاب واحدٍ إلا بعد ساعتين.

    هذا، هو المثال الأول للإدارة الصحيحة وغير الصحيحة في الاستفادة من إحدى القوى العقلية للإِنسان.

  5. #5
    Moderator الصورة الرمزية موالـي
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    389
    تسجيل للمتابـــــــــــعة

  6. #6
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597


    ب-الرشــد في العبــــادة

    والمثال الثاني: يدور حول (العبادة): ولا بُدّ أن نعترف بأنّنا نجهل الطريق إلى العبادة، أي أنّنا لا نستطيع أن ندير أنفسنا عباديّاً، بصورةٍ صحيحة.

    إنّ العبادة الصحيحة هي التي تجذب الروح، وتغذّيها التغذية الصحيحة، وليست الكثرة هي المقياس للعبادة؛كما هو الأمر في الطعام، حيث لا يكون الغذاء الأكثر هو الأفضل، وكذلك العبادة، فإنها لا بدّ أن تتلاءم مع نشاط الروح وأشواقها.

    ولا أعني بذلك: أنْ يكون للإنسان شوق مسبق، حتى يقدم على العبادة، فإنّ الكثير من الأفراد، لا يمتلكون مسبقاً شوقاً للعبادة، ولكن، حين ممارسة العبادة، سوف ينبثق بالتدريج في أعماقهم الشوق والنشاط، الأنس بذكر الله.

    إذن، فوعاء الإنسان للعبادة محدود، ولنفرض أنّه كان يمتلك شوقاً للعبادة، وأقدم على ممارستها بنشاط، ولكن بعد مدة من ممارستها، سيشعر بالتعب، ويتضاءل شوقه ونشاطه وتكتسب العبادة صفة التحميل والتكليف ويكون كالطعام الذي لا يتلاءم مزاج الإنسان، حيث يكون رد الفعل من البدن تجاهه، هو التقيؤ والاستفراغ، أو دفعه بأيّ وسيلةٍ أُخرى، على العكس من الغذاء الملائم، الذي يكون ردّ الفعل تجاهه، هو جذبه والتشوّقِ إليه، وهضمه.

    ويخاطب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جابر بن عبدالله الأنصاري: "يا جابر، إنّ هذا الدين لَمَتين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغِّض إلى نفسك عبادة الله)؛ أي إنّ دين الإِسلام دين مستحكم منطقي، يبتني على أسُس نفسيّة واجتماعية عميقة، فلا بدّ ا،ذ لا تدع نفسك، تتنفّر من العبادة، وتحقد عليها، فمارس العبادة بصورة تميل معها النفس للعبادة، وتنجذب وتندفع بشوقٍ إليها.

    ويضيف (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد ذلك: (فإن المنبتّ، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)؛ أنّ الراكب الذي لا يعتني بمدى قدرة الجمل؛ بل، أنّه يضربه بالسوط دائماً، ويدفعه إلى طي المنازل والمسافات بسرعة، وبمسيرة واحدة، دون ملاحظة المراحل، ويعتقد بأنّه بهذه الطريقة الخشنة، سوف يصل إلى هدفه أسرع؛ ولكن، الأمر ليس كذلك، فإنّه خلال الطريق ستخور قواه من شدّة التعب، وأوجاع السوط ويسقط.

    والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديثٍ يقول: (طوبى لمن عشق العبادَة وعانقها)، يريد أن يقول: بأنّ الشخص الوحيد الذي يتمكّن من اقتطاف الثمرات العالية للعبادة، هو الذي يؤدّي عبادته بصورة يندفع معها القلب بكل شوق ورغبة.

    فالممارسة الصحيحة للعبادة، والاستفادة من نعمها الثرّة، لها علاقة وثيقة بحسن الإِدارة والقيادة، وهذه المهمة يؤدّيها مَنْ تمكّن من قيادة نفسه، ومشاعره وعواطفه وغرائزه؛ وبالتالي قلبه، قيادة حكيمة، رشيدة؛ فإنّ القلب والعاطفة والمشاعر تحتاج إلى القيادة الاجتماعية في المجالات الإِجتماعية.

  7. #7
    Super Moderator الصورة الرمزية الثقلين
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    1,008
    متــــــــــــــــــــــــــــــــابع
    قال أبو جعفر عليه السلام :" يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدة أهل بدر
    فيهم النجباء من أهل مصر
    والابدال من أهل الشام ، والأخيار من أهل العراق ، فيقيم ما شاء الله أن يقيم. "
    الغيبة - الشيخ الطوسي - ص 447

  8. #8
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    6-الإِمــــامة والقيــادة

    قلنا أنّ الرشد يعني: القدرة على الإدارة والقيادة، وحين يريد الإنسان إدارة الآخرين وقيادتهم، أي حين يكون موضوع الرشد هو قيادة الآخرين؛ فيطلق على هذا النوع من الرّشد: (الهداية)؛ وبتعبير أوضح: (الإِمامة).

    واللفظ الذي يعبر عن لفظة الإمامة بصورة دقيقة هو (القيادة): والفرق بين النبوة والإِمامة أن النبوة تعني الدلالة وآرائه الطريق؛ بينما الإِمامة تعني: القيادة، النبوة إبلاغ وإخبار، وإتمام الحجة وإرائة الطريق وكشفه فحسب، ولا تتعدى مهمّة النبي ذلك، ولكن البشر يحتاجون إلى القيادة بالإِضافة لكشفِ الطريق والدلالة عليه.

    أي: إنّ البشرية تحتاج إلى بعض الأفراد، أو إلى فئة معيّنة، تقوم بمهمة تعبئة القوى الإنسانية ودفعها للعمل والحركة وتنظيمها؛ النبوة كشف الطريق وهو منصب خاص، بينما الإِمامة منصب آخر، والأنبياء الكبار أمثال إبراهيم وموسى وعيسى ونبينا(صلّى الله عليه وسلّم)، قد جمعوا كلتا الميزتين، وكانوا أنبياء وأئمة؛ وأما الأنبياء الآخرين ، فكانوا أنبياء فحسب، ولم يكونوا أئمة والقرآن الكريم يؤكّد على هذه الفكرة كثيراً وكذلك الأحاديث الشيعية.

    ولا بدّ أن نلاحظ بأنّ القيادة التي يبحث عنها القرآن الكريم أسمى من القيادة التي يفهمها البشر؛ إنّ القيادة التي يفهمها البشر لا تتجاوز الزعامة المعنوية، المتّجهة نحو الله، بالإِضافة إلى القيادة الإجتماعية، والقيادة المعنوية، وهذا أعمق بكثير من القيادات الإِجتماعية كلها، وليس هنا موضع بحثها.
    التعديل الأخير تم بواسطة ذو النون ; 05-04-2011 الساعة 08:34 AM

  9. #9
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597
    7-إبراهيم القائد والإِمام

    للقرآن الكريم حول إبراهيم كلمات تـثير الدهشة:{وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(البقرة/124).
    فإن الله امتحن إبراهيم بالكثير من التجارب والإِبتلاءات؛ ولكن إبراهيم خرج منها ظافراً.

    إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الذين مرّوا بتجارب ومِحَن عديدة، وعاش حياةً صعبةً، ولكنه رغم كل هذه المشاقّ والمتاعب كان ناجحاً في رسالته.

    لقد بُعث في بابل؛ وواجه وحده، ذلك الحشد الهائل من العقائد، والخرافات الغيبيّة الجاهلية، والشرك السائد؛ وحاربه، وقد حطم كل الأصنام إلاّ الكبير منها، ثم علّق المعول برقبة الصنم الكبير، لأجل أن يتخيّل الناس أنه قد نشب عراك وصدام بينها، وانتصر الكبير عليها.

    وقد استهدف إبراهيم من هذا العمل، أنْ يُوقظ القوى العقلية الفطرية، التي يحاول الناس خنقها والضغط عليها.
    فإنّ الإِنسان يدرك بفطرته، إنّ الجمادات لا يمكن أن تتنازع وتتصادم فيما بينها، ومن هنا يرجعون إلى أنفسهم، ولماذا يخضع الإنسان العاقل المدرك، لمثل هذه الموجودات التي لا تشعر ولا تدرك؟

    وقد أشعل إبراهيم بعمله هذا حقد نمرود وغضبه عليه؛ ووصل الأمر إلى أنْ يأمر القائد بإلقائه في تلك الهوة؛ بل ذلك البحر الكبير الواسع من النار؛ ولكن، لم يهدأ إبراهيم، ولم يسكت عن دعوة الناس إلى رسالته.

    لقد كان إبراهيم يعيش حياة قاسيةً، فهو من جانب في صراع حادّ مع العقائد الخرافيّة المنحطة؛ ومن جانب آخر في صراع مريرٍ مع نمرود، حيث وصل الأمر إلى القائه في النار.

    وفي غمرة هذا الصراع وشدّته، واجهته تجربة إلهية مريرة؛ فقد جاءه النداء من الله، أنْ يذبح ولده العزيز بيده، هذا الأمر الإِلهي الذي لا يمكن إلاّ الإِستسلام والخضوع له، وقد خضع بالفعل لهذا الأمر، وصمّم على تنفيذه، ولكن في اللحظة الأخيرة، صدر إليه الأمر أن لا يذبحه، بعد أنْ قدّم الدليل الحي على مدى استسلامه وخضوعه للأمر الإِلهي.

    وبعد أنْ طوى إبراهيم هذه المراحل والإِبتلاءات، بظفرٍ ونجاح، أخبره الله تعالى بأنه قد استحقّ منصب الإِمامة؛ ارتقى من النبوة والرسالة إلى الإِمامة.
    وهناك حديث حول ذلك: (.. إنّ الله اتخذ إبراهيم عبداً قبل أَنْ يتخذه نبيّاً. واتّخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً واتخذه رسلاً قبل أنْ يتخذه خليلاً، واتخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً ...)(أًصول الكافي 1/175؛ كتاب الحجة، باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة "ع" ج4).
    وبذلك يتضح معنى الآية:{وإِذا ابْتُلى إِبْراهيمُ رَبَّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَهُنَّ قالَ أَنّي جاعِلٌ لِلنَّاسِ إِماماً ..}؛ أي: بعد أنْ أتمّ إبراهيم تلك المراحل، وخرج من جميع الإبتلاءات والمحن ظافراً، حينئذٍ جعله الله إماماً.

    إن الإِمامة وقيادة البشرية وزعامتها، سواء في بعدها المعنوي الإِلهي، أو في بعدها الإجتماعي؛ هي أرفع المناصب التي يمحنها الله للإِنسان، وهكذا كان إبراهيم فكان نبياً وكان إماماً وزعيماً لقومه.

    وكما ذكرنا أن الأنبياء الكبار يمتلكون كلا المنصبين، النبوّة والإِمامة، وأما بقية الأنبياء ، فإنّهم أنبياء فحسب، ولم يكونوا أئمة.

    وأمّا أئِمتنا الأطهار، فكانوا يمتلكون منصب الإِمامة، ولم يكونوا أنبياء إذ أنّ طريقهم نفس الطريق الذي رسمه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إنهم يدعون إلى نفس الرسالة، ويعبّئون القوى، ويأخذون بأيدي البشر في نفس الطريق، الذي دعا إليه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
    التعديل الأخير تم بواسطة ذو النون ; 05-04-2011 الساعة 08:33 AM

  10. #10
    Senior Member
    تاريخ التسجيل
    Aug 2010
    المشاركات
    597

    وعالمنا اليوم ينظر لمسألة الإِمامة، من خلال بُعدها الإجتماعي فحسب، فلا يعرف إلاّ هذا الجانب منها، ولكنه يهتمّ اهتماماً كبيراً بها، وله الحق في ذلك، فإنّ الإِنسان يحتاج للقيادة في طبيعته؛ وقيمة القيادة والزعامة وأهمّيتها تبتنى على ثلاثةِ أصولٍ وأُسس:

    1- أهمية الإِنسان والقوى المودعة فيه:

    هذه القوى والكنوز الكامنة في الإِنسان، والتي لم يتنبّه إليها الإِنسان عادة، والإسلام قد اهتمّ كثيراً بمسألة توجيه الإِنسان ووعيه بنفسه، ومنزلته الكبيرة، وبأهميّة القوى الكبيرة الكامنة فيه.
    والقرآن الكريم يصرّح في الكثير من آياته، بأنّ الله تعالى حين خلق آدم، أمر الملائكة أنْ تسجد له؛ وأنّ الإِنسان أعرف بالأسماء من الملائكة أنفسهم، وأنّ كل ما في الأرض قد خُلق لأجل الإِنسان ولمصلحته.

    قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}(البقرة/29)، و{سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}(لقمان/20)؛ ففي الرؤية القرآنية يُعتبر الإِنسان أرفع الموجودات جميعاً، وليس هو قبضة من ماءٍ وتُرابٍ فحسب.


    2-التعاون بين الإِنسان والحيوان في القيادة.

    إنّ الإِنسان وإنّ كان من جنس الحيوان، إلاّ أنه يختلف عنه من حيث الغرائز وطبيعتها، فهو أضعف من الحيوان في هذا المجال، فإنّ الحيوانات مجهّزة بمجموعةٍ من الغرائز، لا تحتاج لِقيادة خارجيّة تديرها وتوجّهها، فإنّ غريزتها تقود نفسها بنفسها؛ فالنملة مجهّزة بمجموعةٍ من الغرائز، تتمكّن بواسطتها أنْ تُدير دفّة حياتها بصورةٍ غريزية، والإِمام علي (عليه السّلام) في إحدى خطبه في نهج البلاغة، يصف النملة وأجهزتها، وغرائزها الحياتيّة، والحشرات الأُخرى كذلك.

    والإِنسان، وإنّ أكثر تجهيزاً بالقوى والقدرات من سائر الموجودات، إلاّ أنه إذا كان مُقدّراً له أنْ تكون مهمة قيادته وإدارته على عاتق غرائزه، لكانت الغرائز التي يلزم توافرها فيه، أكثر بكثيرٍ من غرائز الحيوان.

    ولكنه رغم ذلك، هو أكثر فقراً وعجزاً من جميع الموجودات، لافتقاره للغرائز الداخلية التي تقوده، وتوّجهه بنفسها في طريق الحياة؛ ولذلك احتاج للقيادة والتوجيه من الخارج.

    وهذه هي الفلسفة لبعثة الأنبياء، والهدف منها، إنّهم بعثوا من أجل تربية هذه الغرائز، والقوى البشرية، وتوجيهها الطريق المستقيم؛ فإنّ فلسفة البعثة تعتمد في أساسها على حاجة البشر للقيادة والتوجيه.

    فإن البشر وإن كان مجهّزاً، بالكثير من القُدرات والقوى، ولكنه، في نفس الوقت جاهل بقدراته وبذخائره الثرة، فلا يعرف ما يمتلكه، ولا يعرف كيف يستخدم ممتلكاته، ويستفيد منها الاستفاده الصحيحة، ويقودها القيادة الحكيمة؛ لذلك احتاج للقائد والموجّه الذي يرسم له الطريق، وينظّم طاقاته وقدراته، ويحرّره من أغلاله ويحثّه على الحركة والعمل.


    3-القوانين الخاصة في الحياة البشرية:

    هناك مجموعة من القوانين والأصول حاكمة بسلوك البشر وأعماله، وإذا أراد أحد، أنْ ينصب من نفسه قائداً وزعيماً للبشر، فلا يتيسّر له ذلك إلا إذا تعرّف على هذه القوانين المتحكمة في حياة البشر.

    إنّ الإِنسان موجود مجهّز بمجموعة من القوى، ولكنه مفتقر في طبيعته لقائدٍ وموجّه، يرسم له طريق العمل بهذه القوى، ويحثه على العمل وفقها.
    هو موجود خاضع في قيادته، وتوجيه دفّة حياته، وإثارة قواه، وتحفيزها على العمل والانتفاع منها، وإلى مجموعة من القوانين الدقيقة جداً، ومعرفة تلك القوانين هي مفتاح السيطرة والنفوذ إلى قلوب البشر.

    وللقرآن الكريم، تعبير يثير الدهشة، حول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ حيث يقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}(الأعراف/157).

    ولكن ما هي هذه الأثقال والأغلال؟هل هي أثقال من صخرٍ، وأغلال من حديد أو من خشب؟ كلا.
    إنّ هذه الأثقال هي الخرافات والتقاليد، والأغلال هي من نوع الأغلال الروحية، التي كبَّل بها الإنسان قواه واستعداداته وطاقاته المعنوية الزاخرة، وهي التي أدّت إلى كل هذا الجمود، والشقاء واليأس في البشرية.

    والنبي (صلّى الله وآله وسلّم) يُطلق سراح هذه القوى المقيدة الأسيرة؛ والقيادة والإِدارة الاجتماعية: تعني ذلك.إنّها تحرير تلك القوى وإطلاق سراحها وبثّ الحركة والنشاط فيها، وفي نفس الوقت الأخذ بيدها، لتسير في مسارها الصحيح المستقيم، بخطواتٍ متّزنةٍ مطمئنّة.

    إنّ القيادة الحكيمة، والإدارة الصحيحة المثمرة، تجعل من أضعف الشعوب أُمّةً قويةً، تفوق في قوتها سائر الأمم والشعوب؛ والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قام بذلك، الذي هو معجزة في نفسه.

+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك