(عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام فيما ناجى الله عزَّ وجلَّ به موسى عليه السلام)
من المسلَّم الواضح أنَّ الباري عزّ وجلّ بصدد بيان أسمى الحقائق والحِكَم لنبيّه العظيم الشّأن، لذلك عبّر في الحديث بلفظ "ناجى"، ولم يقل أوحى، فلعلّ التعبير بلفظ ناجى قرينة على أنّ الله تعالى شاء أن يطرح موضوعاً هامّاً جدّاً لموسى عليه السلام عن طريق الحوار بالمناجاة.

"يا موسى، لا تركن إلى الدّنيا ركون الظالمين"
ويُراد بالركون الميل القلبيّ والوثوق النفسي، وإن أردنا نقلها إلى لغتنا المعاصرة يمكن التعبير عنها بالتعلّق القلبيّ، فيكون المراد: "لا تُعلِّق قلبك بالدّنيا كما تَعلَّق بها الظالمون"، أي إنَّه لولا التعلُّق بالدّنيا لما صدر عن الإنسان ظلم، ولما آذى الإنسانُ عبادَ الله، فالظّلم هو ذروة التعلُّق بالدّنيا والرّغبة فيها.

"ركون من اتّخذها أباً وأمّا"
يعني أن يصبح كلّ تفكيره منحصراً بالدّنيا، فلا يفكّر بشيء غيرها، ولا يُظهر رغبةً أو ميلاً إلاّ لها، فتصبح شغله الشّاغل، كالطّفل الذي يلجأ إلى أبيه وأمّه، ويتعلّق بهما، ولا يفكّر بأحد غيرهما.

"يا موسى، لو وَكَلتُك إلى نفسك لتَنظُر لها، إذاً لغلب عليك حبّ الدّنيا وزهرتها"


فقوله "لتنظر لها" يختلف عن القول "لتنظر إليها"، لأنّ النّظر إلى الدّنيا ليس مذموماً، إنّما المذموم هو "النّظر للدّنيا"، أيّ التفكير والانشغال بها.

وهنا أشير إلى نقطة، وهي: إنّ المراد بالدّنيا في هذا الحديث والأحاديث المشابهة له، ليس الأرض وما يتعلّق بها، ولا إعمارها أو الانشغال بأمور النّاس، وأمثال هذه الأعمال، إنّما المقصود هو المظاهر الدّنيويّة (كالمال، والجاه، والمنصب) التي يريدها الإنسان لنفسه. لذلك فإنّ النعم الإلهيّة كلّها الموجودة على وجه الأرض، والطيّبات والحلي واللذائذ، التي تصبو إليها النّفس الإنسانية وتريدها لذاتها، يعبّر عنها في الروايات والأحاديث بـ (الدّنيا)، وهي مذمومة.

ومن الواضح أنّه كلّما ازداد تفكير الإنسان بالدّنيا وانشغل بها، ازداد رغبةً بها، وشوقاً إليها. وكلّما أعرضَ عنها، خرج حبُّ الدّنيا من قلبه بشكل تدريجيّ. وليس المقصود من هذه الرّواية وأمثالها أن يقعد الإنسان عن العمل والجدّ ويقبع في زاوية بيته - كما تصوَّر بعض الناس هذا المعنى المغلوط لسنوات، وبعضهم لقرون متمادية - فانتهجوا نهجاً خاطئاً، مختارين العزلة والانزواء بعيداً عن صخب الحياة وميادين العمل والجدّ والاجتهاد، ناسبين هذا اللّون الخاطئ من الفهم إلى الإسلام. وعليه، فليس المراد بالدنيا هذا الاستنباط الخاطئ.

"يا موسى، نَافِسْ في الخير أهله واستَبِقهُم إليه، فإنّ الخير كاسمه"
المنافسة هي الرّغبة الممزوجة بالتّسابق التي تظهر في الإنسان بإزاء


عمل ما. والمقصود من أنّ الخير كاسمه هو أنّ معاني الخير ومصاديقه كاسمه جميلة ومحمودة. ويبدو أنّ المراد من الخير هو تلك الأعمال الحسنة ذات الطّابع العامّ، من قبيل الإحسان إلى المؤمنين، ومساعدة الإخوان، والاتّحاد والتّعاون، وعبادة الله تعالى، والزُّهد في الدّنيا وغير ذلك من الصّفات الحميدة.

كما أنّ للفظة "خير" معنى أفعل التّفضيل أيضاً، وهي دلالة على الأفضل، وبذلك يكون معنى الحديث: أنّ أفعال الخير كاسمه أفضل من أيّ شيء آخر. فأعمال الخير التي يقوم بها الإنسان أفضل من كلّ ما يخطر بالذّهن، فعيادة المريض، الإحسان إلى الأخ المؤمن، التّعاون، طلب العلم، الإعراض عن الدّنيا وزخارفها، الجهاد في سبيل الله وعبادته عزّ وجلّ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، كلّ هذه الأعمال هي أعمال خير، وهي أفضَل من أيّ شيء آخر يمكن أن يخطر على بال الإنسان من قبيل المال والأبناء والجاه و المنصب، وما شابه ذلك من أمور مادّيّة ودنيويّة.

وقد أورد المرحوم العلاّمة "المجلسي" في شرحه لهذا الحديث، في كتاب "تحف العقول" عدّة احتمالات، أحدها المعنى الذي أشرنا إليه، وهناك مجموعة من الاحتمالات، يظهر أنّ هذا الاحتمال هو المتيقّن منها.

"واترك من الدّنيا ما بك الغنى عنه"
أي اترك كلّ ما لا تحتاجه من الأمور الدنيويّة، أو إنّه ليس من احتياجاتك، وهو زائد عليها.


"ولا تنظر عينك إلى كلّ مفتون بها"
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه العبارة يمكن قراءتها بأكثر من طريقة: "ولا تَنظُر عَينُك"، والعين هنا فاعلٌ للفعل (تنظر)، فيكون المقصود بذلك: امنع عينك من أن تنظر وترى. أو "ولا تُنظِر عَينَك"، فيكون المقصود لا تُرِ عينك ولا تَعرِض عليها، أو "لا تَنظر عَينَك"، فتكون كلمة (عينك) منصوبةً بنزع الخافض، أي: لا تنظر بعينِك، أو "لا تنظّر عينك"، أي: لا تعرض لعينك.

"وموكل إلى نفسه"
وهو الذي سُلب الحماية والتّوفيق الإلهيّين.

"واعلم أنّ كلّ فتنة بدؤها حبّ الدّنيا"
أي إنّ منشأ الفتن هو حبّ الدّنيا، وواقع الحال كذلك. فإذا نظرنا إلى الدّنيا، وعلى امتداد التّاريخ، نرى أنّ منشأَ وأساس الفتن والانحرافات والخلط بين الحقّ والباطل، كان مردُّه إلى حبّ الدّنيا. وهناك الكثيرون ممّن أثاروا الفتن، وافتعلوا العديد من المشاكل لأجل حبّ الدّنيا والمقام والجاه، وحبّ الأهل والرّفاق. والواقع أنّ هذا الأمر من الحِكَم العجيبة، لأنّه لو نظرت إلى أيّ مكان من الدّنيا لرأيت أنّ واقع الحال كذلك.

"ولا تغبط أحداً بكثرة المال"
وهذا من موارد الابتلاء الموجودة في مجتمعنا، والتي نلمسها بنسب متفاوتة في حياة بعض الأفراد ضعاف النّفوس، الذين يغبطون النّاس على القصور المنيفة، والرّفاهيَة الزّائدة، والسّيارات الكثيرة...


"فإنّ مع كثرة المال تكثر الذّنوب لواجب الحقوق"
أي عندما تكثُر أموال المرء تكثر الحقوق الواجبة عليه، ممّا يؤدي إلى كثرة الذّنوب. ومن المعلوم أنّ الحقوق والواجبات إذا كثرت فإنّ الإنسان يعجز عن تأديتها، وإلاّ لو كان قادراً لمَا ترتّب عليه ذنب من الذّنوب. هذا إن كان المال قد اكتُسب من الحلال، لأنّه إن كان من الحرام فسيكون الأمر أسوأ. ويُحتمل أن يكون المراد هنا إشارة الحديث إلى خصوص كثرة المال عن طريق الحرام، أي إنّ الإنسان عندما يحصل على المال عن طريق الحرام، فلا بدّ أنّه قد ضيَّع حقوقاً كثيرة حتّى أمكنه جمع الكثير من المال.

"ولا تغبطنَّ أحداً برضى النّاس عنه حتّى تعلم أنّ الله راضٍ عنه"
فإذا رأيت النّاس قد اجتمعوا حول شخصٍ ما, وأخذوا يهتفون له ويتقرّبون إليه, فلا تغبطه ما دُمت لا تدري هل الله راضٍ عنه أم لا، فما يُدريك لعلَّ في باطنه - لا سمح الله - خللاً أو فساداً أو عيباً يسلبه رضى الله عزّ وجلّ؟ وحينئذٍ ما نفع رضى النّاس عنه؟! وفي الواقع، ما فائدة رضا النّاس حتّى لو كان حقيقيّاً؟!

"ولا تغبطنّ مخلوقاً بطاعة النّاس له"
فلو رأيت النّاس يطيعون شخصاً ويقبلون أوامره وتوجيهاته، هنا أيضاً لا تغبطه، فليس هذا مَحلاً للغبطة.

"فإنّ طاعة النّاس له واتّباعهم إيّاه على غير الحقّ هلاك له ولمن اتبّعه"


نسأل الله تعالى بحرمة المعصومين عليهم السلام أنّ يصوننا من أن نكون من التّابعين أو المتبوعين على غير الحقّ، وأنْ لا يبتلينا بهذا الأمر.