حذّر الإمام عليّ عليه السلام من مخاطر اتّباع الهوى والنفس الأمّارة ومن طول الأمل في الدنيا لكونهما من أعظم الموبقات وأشدّ المهلكات فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ"2.

من الآية الكريمة والرواية الشريفة يمكن أن نفهم مخاطر هذه الآفّة، فمن يتجاوز الحدّ الذي حدّه الله ولا يتورّع عن ارتكب المعاصي، مفضّلاً بذلك الدنيا على الآخرة، فإنّ النار منـزله ومأواه. وأمّا من خاف الله تعالى والتزم بما يجب عليه فعله أو تركه بحسب القوانين والتشريعات الإلهية، ونهى نفسه عن الحرام الذي تهواه وتشتهيه فإنّ الجنّة مقرّه ومثواه. ولكونهما من أعظم المهلكات حذّر منهما الإمام عليّ عليه السلام، فخطرهما مؤكّد وأثرهما السلبيّ مباشر على سلوك الإنسان وقربه من الله تعالى.
معنى اتّباع الهوى
"الهوى" في اللغة "حبّ الشيء" و"اشتهاؤه" من دون فرق في أن يكون المتعلّق أمراً حسناً ممدوحاً، أو قبيحاً مذموماً. وهوى النفس هو حبّ النفس والتعلّق بها، وميل الإنسان إلى اتّباع الأوامر الصادرة عنها سواء كانت هذه الأوامر خيراً أم شرّاً. واتّباع أوامر النفس يعدّ شركاً بالله لأنّ المطاع في هذه الحالة هو أوامر النفس وليس أوامر الله تعالى.
الهوى المذموم في الآيات والروايات
حذّرنا الله تعالى من اتّباع الهوى في كثير من آيات القرآن. وقد وردت هذه الآيات بصيغ مختلفة فتحدّث عن هذه الحقيقة وأشار إلى أن المتّبع لهواه في الحقيقة عابد لغير الله وهذا الغير هو النفس أو ما يعبّر عنه بالـ (الأنا)، قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. ففي الآية إشارة واضحة إلى أنّ الإنسان يمكن أن يهبط إلى الحدّ الذي تصبح فيه نفسه هي المعبودة والمطاعة وليس الحقّ عزَّ وجلَّ.
والمشكلة الكبرى في هذه التبعية للنفس تكمن في أنّها تضلّ الإنسان عن جادّة الحقّ والصِّراط المستقيم، كما قال عزَّ اسمه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. لذا كان أمر الله وحكمه واضحاً وصريحاً بضرورة تجنّب هوى النَّفس وطاعتها، لأنّها لن تورث الإنسان إلّا العذاب والضلال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. والمؤمنُ الصَّادق يكفيه أن يعرف الأضرار والمساوئ الناجمة عن اتّباع الهوى وحبّ النَّفس، وما وعد الله به الذين يخافونه في الغيب من الجنان، حتّى يقلع عنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

آثار اتّباع هوى النَّفس
1- ضعف الإيمان بالآخرة: اتّباع الهوى يمكن أن يحول بين الإنسان والإيمان الصحيح بالآخرة: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.

2- الضلال: اتّباع الهوى يورث الضلالة، فهو يخرج الإنسان عن طريق الله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

3- انتفاء العدالة: اتّباع الهوى مانع من العدل والإنصاف: ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُو﴾.

4- فسادُ الكون: إنّ نظام السماء والأرض خاضع لإرادة حكيمة وعادلة، فلو دار حول محور أهواء النّاس وشهواتهم لعمّ الفساد كلّ ساحة الوجود: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾.

5- أساس الغفلة: اتّباع الهوى يحجب عن سبيل الحقّ ويورث الغفلة: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً﴾.

6- فساد العقل: اتّباع الهوى يفسد العقل ويضعه ويمنعه من التَّمييز بين الحقّ والباطل: فعن الإمام عليّ عليه السلام قال: "طاعة الهوى تفسد العقل".

7- أساس المحن: اتّباع الهوى سبب أساسيّ للمحن والبلاءات التي تصيب الإنسان في هذه الحياة، كما أخبر بذلك أمير المؤمنين عليه السلام: "الهوى أُسُّ المحن".

معنى طول الأمل
المراد بالأمل تعلّق النفس بحصول محبوب في المستقبل، ويرادفه الطمع والرجاء، إلاّ أنّ الأمل كثيراً ما يستعمل فيما يستبعد حصوله، والطمع فيما قرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع. وطول الأمل عبارة عن توقّع أمور دنيويّة يستدعي حصولها مهلة في الأجل وفسحة من الزمان المستقبل.

طول الأمل المذموم
الأمل في نفسه ليس مذموماً بل ورد في بعض الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "الأمل رحمةٌ لأمّتي، ولولا الأمل ما رَضَعَت والدةٌ ولدَها، ولا غَرَس غارس شجراً"30.

أمّا طول الأمل المذموم فهو ما أشار إليه الإمام عليّ عليه السلام في الحديث بقوله: "وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة"، لأنّ طول الأمل عبارة عن توقّع أمور محبوبة دنيويّة، فهو يوجب دوام ملاحظتها، ودوام ملاحظتها مستلزم لإعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة، وما يمكن أن يعقب هذا الإعراض من نسيان كامل لها بعد حين.

والسبب الأساس لطول الأمل هو حبّ الدنيا. فإنّ الإنسان إذا أنس بالدنيا ولذّاتها ثقل عليه مفارقتها وأحبّ دوامها، فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها. فإنّ من أحبّ شيئاً كره الفكر فيما يُزيله ويُبطله، فلا تزال نفسه تتمنّى البقاء في الدنيا وتقدّر حصول ما تحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب، ويصير فكره مستغرقاً في ذلك، فلا يخطر الموت ولا الآخرة بباله.
وإن خطر بخاطره الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخرويّة أخّر ذلك من يوم إلى يوم، ومن شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، وقال: إلى أن أكتهل وتزول سنّ الشباب، فإذا اكتهل قال: إلى أن أصير شيخاً، فإذا شاخ قال: إلى أن أتمّ هذه الدار وأزوّج ولدي فلاناً، وإلى أن أعود من هذا السفر، وهكذا يسوّف التوبة، كلّما فرغ من شغل عرض له شغل آخر ـ بل أشغال ـ حتّى يختطفه الموت وهو غافل عنه غير مستعدّ له مستغرق القلب في أمور الدنيا، فتطول في الآخرة حسرته، وتكثر ندامته، وذلك هو الخسران المبين31. جاء فيما ناجى الله تعالى النبيّ موسى عليه السلام: "يا موسى، لا تُطوِّلْ في الدنيا أمَلَك فيقسو قلبُك، والقاسي القلبْ منّي بعيد"
كلام الإمام الخميني حول طول الأمل
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "يجب أن نعرف أنّ من أهمّ أسباب عدم التيقّظ الذي يؤدّي إلى نسيان المقصد ونسيان لزوم المسير، وإلى إماتة العزم والإرادة، هو أن يظنّ الإنسان أنّ في الوقت متّسعاً للبدء بالسير، وأنّه إذا لم يبدأ بالتحرّك نحو المقصد اليوم، فسوف يبدأه غداً، وإذا لم يكن في هذا الشهر، فسيكون في الشهر المقبل. فإنّ طول الأمل هذا وامتداد الرجاء، وظنّ طول البقاء، والأمل في الحياة والرجاء سعة الوقت، يمنع الإنسان من التفكير في المقصد الأساسيّ الذي هو الآخرة. ومن لزوم السير نحوه ومن لزوم اتّخاذ الصديق وتهيئة الزاد للطريق، ويبعث الإنسان على نسيان الآخرة ومحو المقصد من فكره - ولا قدّر الله ، إذا أصيب الإنسان بنسيان للهدف المنشود في رحلة بعيدة وطويلة ومحفوفة بالمخاطر مع ضيق الوقت، وعدم توفّر العُدَّة والعدد رغم ضرورتهما في السفر، فإنّه من الواضح لا يفكر في الزاد والراحلة، ولوازم السفر، وعندما يحين وقت السفر يشعر بالتعاسة، ويتعثّر ويسقط في أثناء الطريق، ويهلك دون أن يهتدي إلى سبيل.

اعلم إذاً، أيّها العزيز، أنّ أمامك رحلة خطرة لا مناص لك منها، وأن ما يلزمها من عدّة وعدد وزاد وراحلة هو العلم والعمل الصالح. وهي رحلة ليس لها موعد معيّن، فقد يكون الوقت ضيقاً جداً، فتفوتك الفرصة. إنّ الإنسان لا يعلم متّى يقرع ناقوس الرحيل للانطلاق فوراً. إنّ طول الأمل المعشّش عندي وعندك الناجم من حبّ النفس ومكائد الشيطان الملعون ومغرياته، تمنعنا من الاهتمام بعالم الآخرة ومن القيام بما يجب علينا. وإذا كانت هناك مخاطر وعوائق في الطريق، فلا نسعى لإزالتها بالتوبة والإنابة والرجوع إلى طريق الله، ولا نعمل عل تهيئة زاد وراحلة، حتّى إذا ما أزف الوعد الموعود اضطررنا إلى الرحيل دون زاد ولا راحلة، ومن دون العمل الصالح، والعلم النافع، اللذين تدور عليهما مؤونة ذلك العالم، ولم نهيّئ لأنفسنا شيئاً منهما. حتّى لو كنّا قد عملنا عملاً صالحاً، فإنه لم يكن خالصاً بل مشوب بالغشّ، ومع آلاف من موانع القبول. وإذا كنّا قد نلنا بعض العلم، فقد كان علماً بلا نتيجة وهذا العلم إمّا أنْ يكون لغواً وباطلاً، وإمّا أنّه من الموانع الكبيرة في طريق الآخرة. ولو كان ذلك العلم والعمل صالحين، لكان لهما تأثير حتميّ وواضح فينا نحن الذين صرفنا عليهما سنوات طوالاً، ولغيّرا من أخلاقنا وحالاتنا. فما الذي حصل حتى كان لعملنا وعلمنا مدة أربعين أو خمسين سنة تأثير معكوس بحيث أصبحت قلوبنا أصلب من الصخر القاسي؟ ما الذي جنيناه من الصلاة التي هي معراج المؤمنين؟ أين ذلك الخوف وتلك الخشية الملازمة للعلم؟ لو أنّنا أجبرنا على الرحيل ونحن على هذه الحال ـ لا سمح الله لكان علينا أن نتحمل الكثير من الحسرات والخسائر العظيمة في الطريق، ممّا لا يمكن إزالته!"