للبصيرة ميادين وساحات نقتصر الكلام هنا على ثلاثة منها هي:

1- البصيرة على النفس
إنّ من أوضح معارف الإنسان معرفته بنفسه، فالإنسان يعرف نفسه بالعلم الحضوريّ، أي ليس من خلال استحضار صورة الشيء إلى النفس كما أَستحضِرُ صورة القلم والكتاب والطاولة، بل إنّ نفسي حاضرة بنفسها لا بصورتها عند نفسي، وكذا يعلم الإنسان بعدّة أمور تتعلّق بنفسه من خلال حضورها عند نفسه، لا بحضور صورها، فالواحد منا يعرف نفسه بأنّه جائع أو عطشان، لا من خلال حضور صورة الجوع والعطش لدى نفسه، بل من خلال حضور الجوع والعطش نفسيهما لديها، من هنا نطلّ على بعض الأحكام الراجعة إلى نفس الإنسان، فإنّ الإنسان يعرف صفات نفسه الواقعيّة، وإنْ أظهر خلافها أمام الناس، فهو يعرف ضعفها، وإن أظهر القوة، ويعرف بخلها، وإن أظهر الكرم، ويعرف جبنها، وإن أظهر الشجاعة، فهو قد يظهر ما ليس واقعًا في نفسه، ويلقي لذلك المعاذير، لكنّه في الواقع هو كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ .

2- البصيرة في الدين
بما أنّ الدين يشكّل الطريق القويم الذي يوصل الإنسان إلى كماله الذي يمثّل غاية وجوده، وبما أنّ الدين لم يجعله الله تعالى نصًّا واحدًا لا يمكن أن تحرّف مفاهيمه، فإنّ معرفة الدين الحقّ دون تحريف تحتاج إلى آليّة صحيحة، ومسار متقن لتتحقّق من خلال ذلك البصيرة فيه، وهذا المسار، وإن مرّت بنوده العامّة سابقًا، إلاّ أن أئمة أهل البيت عليهم السلام أكّدوا على أنّ ذلك يحتاج إلى تسديد إلهيّ للإنسان، فأكّدوا على الدعاء "اللهم إنّي أسألك أن تجعل النور في بصري، والبصيرة في ديني".

ولعلّ هذا التأكيد بسبب المحاولات الحثيثة من إبليس ومن قد يساعده من شياطين الإنسان لتحريف صورة الدين عبر محاولة تأثيره في النظام الإدراكي الوسيط، فإنّ تأثير إبليس في الإنسان يقتصر على الإدراك، ومحاولة إراءة الصورة على غير واقعها، كإراءته ما انجذب إليه الناس من بيان القرآن الإعجازي، في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه نوع من السحر. وقد عبّر القرآن الكريم عن دور إبليس هذا بقوله عزّ وجل: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ . فالمخلَصون هم الذي ثبتت عندهم الحقائق بحيث لا يستطيع إبليس أن يغيّرها، أمّا غير المخلَصين، فهو يسعى جاهدًا نحو تغييرها من خلال التأثير على النظام الإدراكي لديهم.

3- البصيرة الاجتماعيّة
إنّ وعي الأمور الاجتماعيّة على حقيقتها، أي البصيرة فيها، تحتاج إلى السير في ضوء البنود الأربعة في المسار السابق، والتي هي:

1- التأكّد مما أواجهه.
2- صحة المعلومات.
3- استحضار الاحتمالات الأخرى.
4- التحليل الصحيح على ضوء ما تقدّم.

وهنا لا بدّ من ملاحظة أمر يتعلّق بالبند الثاني، وذلك أنّ من ضمن المعلومات التي لا بدّ من الاعتماد عليها، وعدم إغفالها هو ناتج البصيرة في الدين، فالبصيرة الاجتماعيّة تعتمد على البصيرة الدينيّة، إذ الأخيرة تُشكّل أساسًا ومدماكًا في البصيرة الاجتماعية.
وتَكوُّن البصيرة الاجتماعيّة، لا سيّما في نطاقها الأوّل في الأسرة والأصدقاء والأقرباء والجيران، يحتاج -عادةً- إلى تدخّل الواعين من الأهل والمعلّمين وغيرهم لتوجيه الأبناء والتلامذة نحو الوعي الاجتماعي من خلال السير في ضوء البنود الأربعة السابقة.

أمّا في الدائرة الاجتماعية العامّة، فإنّ البصيرة لا يكفي فيها توجيه الأهل والمعلّمين والمربّين، بل تحتاج إلى توجيه الوليّ العام للأمّة الذي يشكّل ضامنًا ضروريًا لتحصين بصيرتها، لا سيّما مع الجهود الكبيرة التي تبذل من شياطين الإنس والجن، كي يحرفوا القضايا عن حقيقتها.

وفي نهج البلاغة يوضّح الإمام علي عليه السلام محاولات معاوية تحريف الحقائق التي نجحت مع جيل كثيرٍ من الناس، في مقابل فئةٍ لم يستطِع معاوية أن يغيّر في نظامهم الإدراكي المحكَم، فاستحقوا أن يطلق عليهم الإمام علي عليه السلام مصطلح أهل البصائر، كما في خطابه المتقدّم لمعاوية بن أبي سفيان: "وأرديت جيلاً من الناس كثيراً، خدعتهم بغيّك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات، وتتلاطم بهم الشبهات، فجازوا عن وجهتهم، ونكصوا على أعقابهم، وتولّوا على أدبارهم، وعوّلوا على أحسابهم، إلاّ من فاء من أهل البصائر، فإنّهم فارقوك بعد معرفتك، وهربوا إلى الله من موازرتك، إذ حملتهم على الصعب، وعدلت بهم عن القصد".

فيما عدا أهل البصائر نجح معاوية في تحريف صورة الدين، والمسار الاجتماعي للكثير من الناس، حتى وصل الأمر أن يجتمع عشرات الآلاف منهم بهدف قتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كربلاء الذي اجتمع مع عشرات فقط امتازوا بمصطلح "أهل البصائر"، وبلغوا "الفتح" بتعبير الإمام الحسين عليه السلام ومن "ومن تخلّف لم لم يبلغ الفتح". والفتح مقابل الإغلاق هو بصيرة قلب مقابل عماه.

لكن ما حصل في كربلاء بتخطيط من الوليّ العامّ استطاع أن يكون شاخصًا واضحًا في محاربة ذلك التشويه والإضلال، وبالتالي محافظًا على صورة الدين، ومحصِّنًا لمسار الأمة من ذلك الانحراف الذي كاد أن يصل به إلى الهاوية التي لا رجوع عنها.

لقد استطاعت النهضة الحسينيّة أن تكون المناهضة الدائمة المستمرّة على مدى العصور لتشويه الدين، ومسار الأمّة الاجتماعي في النظام الإدراكي العام لها، وذلك عبر العمل الدؤوب من أبنائه الأئمة المعصومين عليهم السلام الذين أكّدوا:

1- كون الثقافة الحسينيّة هي عنوان أساسيّ في الصراع الذي يريد فيه أهل الباطل أن يشوّهوا ويحرّفوا صورة الحقّ.

2- مرجعيّة أولياء الأمر العلماء في تحصين بصيرة الأمّة سواء في عصر الحضور، أو في عصر الغيبة، الذي تحدّث عنه الإمام الهادي عليه السلام بما ورد عنه: "لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا عليه السلام من العلماء الداعين إليه، والدّالين عليه، والذّابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلاّ ارتدّ عن دين الله، ولكنّهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكّانها. أولئك هم الأفضلون عند الله عزّ وجل".