أعزائي! إنّ شهر رمضان على الأبواب، وبعد أيام قلائل سيجلس المؤمنون - من لهم الجدارة لذلك - على مائدة الضيافة الإلهية، والصيام بحد ذاته والتوجه إلى الله تعالى والأذكار والأدعية التي غالباً ما تستهوي الأفئدة وتجتذبها في هذا الشهر جزء من الضيافة الإلهية، فاغتنموا هذه المائدة بأقصى مداها وأعدوا أنفسكم. فشهرا رجب وشعبان شهرا تأهب قلب الإنسان لدخول شهر رمضان، ولم يبق من شهر شعبان إلا أيام معدودات، فيا أعزائي! ويا أبنائي! أيها الشباب الأعزاء! اغتنموا هذه الأيام القلائل. سلوا الله تعالى، ويمموا قلوبكم النقية نحوه وكلموه. وليس من لغة خاصة للحديث مع الله جل وعلا، غير أن أئمتنا المعصومين الذين ارتقوا مراتب القرب إلى الله واحدة تلو الأخرى قد كلّموا الله بألسنة متميزة وعلّمونا سبيل التكلم معه الله سبحانه، وهذه المناجاة الشعبانية والأدعية الواردة في شهري رجب وشعبان بمضامينها الراقية، وهذه المعارف الرقيقة والنورانية والتعابير الرائعة الإعجازية، هذه كلها وسيلة لنا لغرض الدعاء. وإنني أدعوكم جميعاً أيها الأعزاء إلى التوجه خلال هذه الأيام نحو الدعاء والصلاة، والإقبال على الصيام، واغتنام أيام شهر رمضان ولياليه.

بناء الذات أعظم درس في شهر رمضان لعل من أفضل النعم الإلهية أن يوفقنا الله جميعاً للمحافظة على أسباب الرحمة الإلهية في أنفسنا حتى شهر رمضان القادام. والرحمة الإلهية التي تتنزل في شهر رمضان المبارك إنما منشؤها الأعمال الحسنة التي حالفكم التوفيق لأدائها في هذا الشهر المبارك. ففي شهر رمضان يكون التوجه نحو الله سبحانه والإحسان للفقراء وصلة الرحم ومداراة الضعفاء والطهارة والورع، وفيه استرضاء من نأيتم عنهم والنصف لمن عاديتم. إنه شهر الرأفة والتوجه إلى الله، إذ ترقّ فيه القلوب وتستنير النفوس بنور الله وفضله ورحمته، ويبلغ الإنسان التوفيق لأداء الأعمال الحسنة، فواظبوا على ذلك حتى العام المقبل، ولنستلهم الدرس من شهر رمضان لمدة سنة كاملة، وهذا هو الجزاء الإلهي الأكبر، حيث يمن علينا بمثل هذا التوفيق، فلنطلب من الله الرضا والرحمة والقبول والعفو والعافية، فإن ذلك هو العيد الحقيقي. ما أود قوله.. هو أن أعظم درس في شهر رمضان هو بناء الذات، والخطوة الأولى والمهمة في طريق بناء الذات هي أن ينظر المرء إلى نفسه وأخلاقه وسلوكه نظرة انتقاد فيرى عيوبه بدقة ووضوح، ثم يسعى للخلاص منها؛ وهذا أمر يمكننا إنجازه، فهو تكليف ملقى على عواتقنا. تراحموا فيما بينكم كي يرحمكم الله، وعلى من كانت أيديهم مبسوطة أن لا يمدوها عدواناً على مصالح وثروات الآخرين، ولا يستغلنّ من توفرت لديهم الفطنة والذكاء والإمكانيات والقوة والمسؤولية وشتى القدرات.. للعدوان على من سواهم. لنجعل من أنفسنا عبيداً لله مكلفين بمداراة عباد الله والإحسان إليهم، والبرّ بهم والتزام الإنصاف إزاءهم، وحينها سيغمرنا الباري بوابل رحمته وفضله فيطهرنا، وتنهمر علينا مواهبه، وهذا - بطبيعة الحال - تكليفنا جميعاً، بيد أن مسؤولية أصحاب القدرة والمنصب والثروة وذوي الكلمة النافذة بين الناس تفوق من سواهم في قبال هذا العبء الثقيل، عبء بناء النفس وكبح جماح الشهوات عن التعدي على الآخرين.