عن أمير المؤمنين عليه السلام:"ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل خيراً استزاده وإن عمل شراً استغفر اللَّه".

أ- في ظلال الحديث:
يوضح لنا هذا الحديث الشريف أن من لا يحاسب نفسه لا يتصل اتصالاً صادقاً بالعترة الطاهرة، ضرورة أن المتصلين بهم والتابعين لهم والمتمسكين بولايتهم المباركة هم أهل المحاسبة والمراقبة الذين يحرصون في أن يكون غدهم أفضل من يومهم ويومهم أفضل من أمسهم، وتتطلع أنفسهم إلى مستقبل أخروي عامر بالباقيات الصالحات والنعيم المقيم، ولا يتسنى للإنسان التعرف على حقيقة حاله من جهة تقدمه وتأخره بحيث يكون أمسه أفضل من يومه ما لم يحاسب نفسه حساباً دقيقاً ويسألها مستعرضاً ما فعله في الأيام السالفة أو يقوم به في الحاضر.

وقد حثّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على كون المحاسبة شديدة قائلاً: "لا يكون العبد مؤمناً حتى يحاسب نفسه أشدّ من محاسبة الشريك شريكه والسيّد عبده".

وعن مولى المتقين عليه السلام: "حاسبوا أنفسكم بأعمالها وطالبوها بأداء المفروض عليها والأخذ من فنائها لبقائها، وتزوّدوا وتأهبّوا قبل أن تبعثوا".

وبالجملة من يستعرض الأخبار الشريفة في هذا الموضوع يجد الحث المتكرر على المحاسبة والتأكيد على كونها شديدة ودقيقة وتفصيلية وكذلك لزومها في كل يوم فلا يكفي أن تكون سنوية أو شهرية أو أسبوعية بل لا بد أن تكون يومية على الدوام.

يقول الصادق عليه السلام: "حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزى يوم القيامة".

وفي حديث آخر: "إذا أويت إلى فراشك فانظر ما سلكت في بطنك وما كسبت في يومك واذكر أنك ميت وأن لك معاداً".

ب- كيفية المحاسبة
إن الناس يتقنون فنون المحاسبة المالية والقوانين المتبعة في هذا المجال، ويقوم التجار وأصحاب المهن والصناعات بتوظيف محاسب مالي للوقوف على واقع الأمر في استعلام ما حققته شركاتهم ومصانعهم من أرباح أو تكبدته من خسائر، وبعد ذلك يقرّرون المتابعة في النمط الذي كانوا عليه سابقاً أو العدول عنه حين اكتشاف ثغرات سبّبت تراجعاً في مستوى إنتاجهم، وربما لا تجد مشروعاً تجارياً في العالم إلا ويخضع لهذه العملية الحسابية وما ذلك إلا للمحافظة على رؤوس الأموال وتلافي النقصان والخسران المؤدي إلى انهيار هذه الشركة أو تلك، ويمكننا أن نعبّر عن تلك العملية أنها صمّام الأمان والصون وبها ضمانة الاستمرار.

والواقع أن هذا الأمر مطلوب وضروري، لكن ما هو ضروري أيضاً وأكثر أهمية منه ولا يتعارض معه هو المحاسبة الدينية التي تكون المحاسبة المالية محوراً من محاورها لا يصح إغفاله، وتكمن الأهمية في معنى الربح والخسارة، فإذا كانا في المحاسبة المالية، لا يتعدى خطرهما عالم المال وتبعاته، بينما إذا كانا في المحاسبة الدينية يكون معنى الربح هو الجنة ومعنى الخسارة هو النار، إن لم يبادر الخاسر إلى جبران خسارته بالتوبة النصوح والعمل الصالح. فكيف بهذا الإنسان تنام عيناه عن محاسبة نفسه ومعرفة حقيقة حاله وهو شديد الحساب في ماله الفاني لقاء الحصول على دراهم معدودة يتركها لغيره ويبقى الوزر على ظهره؟!

من هنا تعال معي نقف على باب أمير المؤمنين عليه السلام باب مدينة العلم ونسأله عن كيفية محاسبة النفس ليجيبنا قائلاً: "إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال: يا نفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبداً، واللَّه سائلك عنه فيما أفنيته فما الذي عملت فيه؟ أذكرت اللَّه أم حمدتيه؟ أقضيت حق أخ مؤمن؟ أنفّست عنه كربته؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده؟ أحفظتيه بعد الموت في مخلّفيه؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن...؟ فيذكر ما كان منه، فإن ذكر أنه جرى منه خير حمد اللَّه عزَّ وجلّ‏َ وكبّره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيراً استغفر اللَّه عزَّ وجلّ‏َ وعزم على ترك معاودته".

وليخاطب الإنسان نفسه قائلاً: "يا نفس إذا رغبت عن أن تكوني في زمرة المقرّبين من الأولياء والمؤمنين والأنبياء والمرسلين في جوار رب العالمين لتكوني من جملة الهالكين لقد خسرت الدنيا والدين.. يا نفس من كانت الدنيا همه كثر في الآخرة غمّه، يا نفس إن الدنيا دار مفر والآخرة دار مقر والناس فيها رجلان، رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها".

ج- ثمرات المحاسبة
1- السعادة
في الحديث: "من حاسب نفسه سعد".

2- صلاح النفس
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "ثمرة المحاسبة صلاح النفس".

3- الأمن من المداهنة
فيما روي: "من تعاهد نفسه بالمحاسبة أمن فيها المداهنة".

4- دوام الربح
فيما جاء: "من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسر ومن خاف أمن".

5- ادراك الرغائب
يقول مولى المتقين عليه السلام: "حاسبوا أنفسكم تأمنوا من اللَّه الرهب وتدركوا عنده الرغب"