بحكم ضرورة العقل لا ينحصر الهدف من بعثة الرسل في بيان وتوضيح الأحكام والشرائع الّتي يتلقّونها بالوحي. فلم يكن الأنبياء قد عيّنوا لأداء هذه الأحكام إلى الناس بأمانة تامّة فحسب، ولم يعهدوا إلى الفقهاء أن يكتفوا ببيان المسائل الّتي أخذوها عنهم للناس. ولا تعني جملة "الفقهاء أمناء الرسل" أنّهم مؤتمنون على النقل عنهم.

فقد كان أهمّ ما كلّف به الأنبياء هو إقرار النظام العادل في المجتمع وتنفيذ الأحكام. وقد يُستفاد ذلك كلّه من قوله تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾.

فقد كان الهدف الحقيقيّ من بعثة الأنبياء هو إقامة العدل والقسط في الناس، وتنظيم حياتهم بموجب الموازين الشرعيّة، ولا يتمّ ذلك إلّا بالحكومة الّتي تُنفِّذ الأحكام وهذه الحكومة كما تتمثّل في شخص النبيّ أو الرسول، تتمثّل كذلك في الأئمّة عليهم السلام وفي الفقهاء العلماء المؤمنين العدول من بعدهم. لأنّ القيام على الناس واقرار الحقّ والنظام العادل فيهم مطلوبٌ على كلّ حال.

حينما يقول الله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾49 ويقول:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾، وغير ذلك من الأوامر، فلا يعني ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكلّفٌ بابلاغ ذلك إلى الناس فحسب، بل هو مأمورٌ بالعمل به وتنفيذه، مأمورٌ أن يجبي هذه الضرائب من أهلها ليصرفها في مصالح المسلمين، ومأمورٌ أن يُشيع العدل فيهم، ويُقيم حدود الله ويحفظ ثغور المسلمين، ويمنع البلاد من الأعداء، ويمنع خزانة الأمّة أن يحيق عليها أحد.

وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾.

وذلك لا يعني وجوب التصديق بما أخبرونا به فحسب، وإنّما يُقصد من ذلك العمل والاتباع، فإنّ في ذلك مجلبة لرضا الله، لأنّ الله تعالى يقول في موضع آخر من كتابه:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ{ 52فإطاعة الرسول إطاعةٌ لله لأنّ الرسول لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحيٌ يوحى.

فإذا أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالالتحاق ببعثة أسامة، فلا يحقّ لأحد أن يتخلّف أو يُراجعه في ذلك، لأنّ في ذلك معصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد فوّض إليه أمر المسلمين فهو يُدير شؤونهم ويُرشدهم ويوجّههم، ويُعيّن لهم الولاة والحكّام والقضاء، ويعزل منهم إذا لزم الأمر.