البعثة في النبوة: تحول في باطن النبي يتبعه تحول في عمق المجتمع


أنتم تعلمون أنّه في القرآن، وفي الغالب عندما يجري الحديث عن مجيء النبيّ، فإنّ الحديث يكون عن بعثته، ﴿لَقَدْ بَعَثْنا في‏ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولً﴾[1]. لقد بعثنا موسى وبعثنا إبراهيم وبعثنا الأنبياء الآخرين. فماذا تعني البعثة؟ وما هي العلاقة بين البعثة والنبوّة؟ إنّ العنوان الذي وضعناه لبحثنا هو البعثة في النبوّة. ففي النبوّة، يوجد بعثة. ونحن نسأل عن المعنى الكامن في هذه الكلمة. فإذا كان في النبوّة بعثةٌ، فهل أنّ هذه البعثة ترتبط بشخصٍ أو بشيءٍ ما؟ وما هي الفائدة منها؟

إنّ البعثة تشير إلى التحرّك بعد الفتور والركود والضعف. فالميّت الذي ينام في القبر لسنواتٍ مديدة وتتحوّل أجزاء بدنه إلى ترابٍ، يُقال عنه ــ عندما يقوم بقدرة الله تعالى يوم القيامة ــ أنّه بُعث. وكذا في الأمثلة الصغيرة والجزئيّة. فإذا نهضتم من نومكم يقولون عن ذلك أنّه بعثٌ. وعندما تخرجون من حالة الضعف والكسل واللامبالاة والفتور وتبدأون حركةً شديدة؛ فيُقال أيضًا إنّه بعثٌ. فهذا هو معنى البعث.

وكما تعلمون، يُقال ليوم القيامة يوم البعث. فهو يوم القيام ويوم الخروج من الضعف واللامبالاة وفقدان النشاط. وهو يوم التحرّك؛ وهو يوم يكون الناس فيه عند خروجهم من القبور ــ ومن اللحظة الأولى وحتّى آخر لحظة من مسيرهم نحو المصير النهائيّ المحدّد ــ يكونون في سعيٍ وتحرّكٍ وسيرٍ. ويُقال له يوم البعث. وفي النبوّة يوجد مثل هذه الحالة أيضًا.

إنّني أريد أن تصبح نظرتكم إلى النبوّة نظرةً جديدةً من الأساس. فالبعض يتصوّر النبوّة على نحو الوعظ: على سبيل المثال؛ نبي دخل مدينةً من أجل أن يبيّن لأهل هذه المدينة عددًا من القضايا التي ترتبط بالدين أو بغيره. أو مثل متفوّهٍ أو خطيبٍ ينهض من بين الناس ويقف ليخبرهم بمجموعة من القضايا الفرعيّة. أو مثل أحد الخطباء الذي يدخل إلى لقاءٍ عامّ في مجتمعٍ ما، ليبدأ جدالًا أو حوارًا داخل هذا المجتمع. هؤلاء يفترضون أنّ النبيّ هو في العادة مثل هؤلاء: رجلٌ روحانيٌّ عالمٌ نجيبٌ يحني رأسه تواضعًا ويسير بين الناس. غاية الأمر، أنّ الناس أحيانًا يعرفون قدره إذا كانوا من الأخيار ويُقال عن هؤلاء إنّهم مؤمنين. وأحيانًا لا يعرفون قدره فيُقال عنهم إنّهم كفّار أو يُقال مشركين. فنحن كنّا نتصوّر النبيّ على هذا النحو.

يوجد في النبوّة تحوّلٌ وتبدّل. ويجب أن نقول إنّه عبارة عن نحوين من التحوّل والتبدّل. النحو الأوّل، هو الذي يحدث في وجود النبيّ نفسه. أي أنّ البعثة والثورة والتحوّل؛ كلّ هذه تحدث في البداية في النبيّ نفسه؛ في ذاته وباطنه. فالنّبيّ نفسه هو أوّل من يتبدّل. وهو أوّل من يخرج من حالة الركود والفتور. وبعد أن تتحقّق القيامة في روح [النبيّ] وباطنه، وتحدث البعثة في ذاته ونفسه الباطنيّة. وبعد أن تنهض جميع الاستعدادات شديدة الفوران والمستودعة فيه من جانب الله تعالى. بعد هذه اللحظة التي نعبّر عنها باختصار بأنّ النبيّ نفسه أصبح مسلمًا. أي بعد هذه البعثة ــ تفجّر الفيضان الداخليّ في روح النبيّ وباطنه ــ فإنّ كلّ ذلك يعود ويسيل إلى المجتمع البشريّ وينتقل إليه. فبعد أن يحدث التحوّل في باطن [النبيّ] يبدأ التحوّل في المجتمع. وبعد أن تتحقّق في باطن النبيّ تلك البعثة العظيمة تتحقّق بعثةٌ أعظم في متن المجتمع. وبعد أن تتحقّق هذه الثورة في قلب النبيّ تبدأ ثورةٌ في المجتمع على يديه، وتتحقّق البعثة بمعناها الواقعيّ هناك. فانظروا جيّدًا ستجدون أنّ كلّ ما في النبوّة هو عبارةٌ عن فيضانٍ وفورانٍ وتحوّلٍ وتغيّرٍ وبعثٍ وانبعاثٍ.

ونسأل هنا، عن الحالة التي كان عليها النبيّ قبل نبوّته. ويوجد هنا نقطتان ترتبطان بمجال حياة أيّ نبيٍّ قبل النبوّة. وهما على تضادّ. فبالطبع، عندما نقول تضادّ لا بمعنى التضاد الواقعيّ. بل ما يبدو للنظر أنّه على نحوٍ متضادّ. الأولى هي أنّ النبيّ، وإن لم يكن مبعوثًا، لكنّه يكون متمتّعًا باستعدادات إنسانيّة في غاية القوّة والعمق. وهذا ما يميّزه عن بقيّة الناس. فالاستعداد للفهم والتحرّك والانبعاث الذي يكون موجودًا فيه لا يمكن مقارنته بما هو موجودٌ عند غيره من الناس. والاستعداد الموجود فيه للعبوديّة لله لا يمكن أن يُتصوّر لغيره من الناس من ناحية المستوى. فكلّ هذه الاستعدادات التي تكون في أيّ إنسانٍ لتخرجه من حضيض الترابيّة وتوصله إلى أوج "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" ــ أي تلك العبوديّة الواقعيّة لله والتخلّق بأخلاق الله ــ كلّ هذه الاستعدادات تكون في النبيّ أكثر بكثيرٍ من غيره.

ولأنّ الله يرى في هذا لإنسان وجود هذه الإمكانات الإضافيّة، فإنّه يعينه ويفيض عليه ويتلطّف به ويجعل تحت اختياره وبين يديه ما يحتاجه في التكامل حتّى يصل إلى تلك المرحلة من القدرة بحيث يتمكّن من رفع ذلك الحمل الثقيل؛ فيصنع الله تعالى منه إنسانًا مستعدًّا وجاهزًا لهذا العمل.

فهذه النقطة الأولى وقد اختصرناها بمثل هذا الكلام وهو أنّ الاستعدادات الموجودة في النبيّ هي أكثر من استعدادات الناس العاديّين وأغنى وأعمق وأفعل.

النقطة الثانية هي أنّ النبيّ، قبل البعثة وقبل النبوّة، يكون مشاركًا للناس في مجريات حياتهم اليوميّة ومواكبًا لهم. حيث إنّ الناس في هذا المورد يتحرّكون على مسارٍ معيّن؛ فلا يكون في البداية مشغولًا بالتفكير بكيفيّة قلب أوضاع هذا المجتمع. ومن الممكن أن يكون غير راضٍ. وبالطبع يكون كذلك. فانظروا إلى موسى بن عمران، عليه الصلاة والسلام، الذي كان يعيش في قصر فرعون. وبحسب قول أحد الشيبة قبل عدّة سنوات فقد كان يأكل من سفرة فرعون، وكان يعيش حياة الأشراف، ويقتل أحد الأشخاص في السوق، ويُبعث بعدها بالنبّوة والرسالة ويؤمن به قومٌ من بني إسرائيل. وذلك إثر عودته من عند شعيب في مدين. وبشأن قتل ذلك الرجل قبل ذلك بمدّة، فإنّه يقول: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾[2]. فماذا يعني أنّه كان من الضالّين؟ يعني أنّه لم يكن قد اهتدى إلى الطريق الصحيح المخالف للطريق العامّ للمجتمع الفرعونيّ في ذلك الزمان، لا بمعنى أنّه يعدّ قتل أحد أفراد الفراعنة معصيةً وذنبًا. كلّا؛ وإنّما أراد أن يقول: إنّني عندما قتلت ذلك الرجل ولم أكن شخصًا صاحب نهجٍ مشخّص وتوجّهٍ ثوريٍّ صحيحٍ، بل كنت رجلًا من بين الناس، وكنت أسير على الطريق العامّ الذي يسلكه عامّة الناس؛ فكنت أسعى وسط المساعي الكثيرة وأتحرّك إلى جانب كلّ أنواع التحرّكات الأخرى. فاليوم قد بدّلت الطريق، واليوم فإنّني أعتبر تلك الحركة العامّة والمسير الجمعيّ للناس في المجتمع خاطئًا؛ أي إنّني اليوم سأقوم ببعثةٍ ونهضةٍ داخل هذا المجتمع، متى ذلك؟ إنّ ذلك يحدث بعد البعثة.

كذلك الأمر بالنسبة لنبيّنا الأكرم محمّد (ص) فإنّ الآية من سورة ﴿وَالضُّحى‏﴾ تبيّن المطلب بصورةٍ جيّدة. لقد ذكر المفسّرون مطالب حولها، ويوجد روايات عديدة في ذيل هذه السورة، وأنا قد تأمّلت فيها ونظرت فوجدت أنّ الروايات عبارة عن تأويلٍ لا تفسير.

﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى﴾، يوجد بشأن الضلالة والهداية عدّة روايات، بعضها ضعيفٌ من ناحية السند. ويوجد مجموعة من الأقوال المنسوبة للمفسّرين قد دخلت ضمن هذه الروايات: فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدى﴾‏‏ ‏لا يرتبط بالضلالة الفكريّة والروحيّة، بل المراد منها أنّ النبيّ عندما ضاع في طفولته في بعض أودية وجبال مكّة، هدى الله تعالى جدّه وتمكّن من إيجاده؛ أو كما ورد في حادثةٍ أخرى أنّ [النبيّ] قد ضاع فجاءت امرأةٌ ووجدته؛ أو [المقصود هو] أنّك كنت ضالًّا في أهل مكّة وبين الناس ولم يعرفك أحد، فهدى الله تعالى أهل مكّة إليك. هكذا حملوا المعاني على هذه الآية؛ ونحن لا ننكرها جميعها، بل المقصود هو أن ندرك المعنى المطلوب. ومع افتراض أنّنا نقبل كلّ معنى من هذه المعاني طبق الروايات الصحيحة؛ فإنّ المعنى الظاهر لهذه الآية هو غير هذا. إنّ ظاهرها واضحٌ وصريحٌ وهو يقول إنّك كنت ضالًّا ونحن هديناك. فماذا تعني الضلالة هنا؟ هل تعني عبادة الأصنام؟ كلّا وأبدًا. هل تعني أنّه كان شخصًا منحرفًا؟ كذلك الأمر الجواب هو بالنفي حتمًا. هل تعني أنّه كان عاصيًا؟ كلّا. فماذا إذًا؟ إنّها تعني أنّ هذا الصراط المستقيم الذي أريناك إيّاه في البعثة والنبوّة لم يكن بمتناول يديك. وتلك القوانين والأفكار التي أضاءت قلبك المقدّس مع نزول الوحي، هل كانت موجودةً قبل النبوّة وقبل البعثة في قلب هذا النبيّ العظيم؟ فمن المسلّم أنّها لم تكن كذلك. فالضلالة تعني هذا الأمر، وهو المعنى الظاهر من الآية.

حسنٌ، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدى‏ * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى‏﴾، لقد كان النبيّ الأكرم، وكما هو مفاد ظاهر الآية، يتحرّك بين الناس العاديّين ويسير وسط المجتمع، وإن كان منزعجًا ومتألّمًا من الأوضاع؛ وإن لم يشرك الرسول لحظةً واحدةً بربّه ولم يخضع في مقابل الأصنام ويعظّمها؛ وإن لم يكن ينسجم لحظةً واحدةً مع أصحاب الأموال والمستبدّين وكان يعيش في ذلك المجتمع كإنسانٍ شريفٍ. فما فعله النبيّ، رغم كلّ هذه الأوضاع، هو أنّه كان يسير في المسير العاديّ لحياة ذلك المجتمع.

لقد كان النبيّ يعيش في المسار العاديّ لحركة المجتمع وحياته الجمعيّة. ثمّ يأتيه الوحي فجأةً فيحدث في نفسه تحوّلًا عميقًا وكذا في باطنه ووجوده. وقد كان هذا التحوّل عجيبًا وشديدًا إلى الدرجة التي كان يؤثّر في جسم النبيّ أيضًا، وكذلك في أعصابه. فهذا الإنسان المتفكّر، الذي نشأ نشأةً سليمة، والذي يمتلك هذه الجهوزيّة والاستعداد، يحدث في نفسه ذلك الانقلاب وتلك البعثة. لم يعد هذا الإنسان كما كان من قبل من الأساس. فمحمّد لم يعد ذاك المحمّد الذي كان قبل لحظة. وهذا الإنسان لم يعد كما كان قبل ساعة. لقد أصبح شيئًا آخر، وصار عنصرًا مختلفًا وجوهرًا جديدًا. في البداية، حقّقت البعثة في وجوده انقلابًا وتحوّلًا في باطنه وأصبح هذا الانقلاب منشًا لكي يتمكّن من تبديل العالم كلّه. ولو لم يتبدّل هو بنفسه لما استطاع أن يبدّل العالم.

لقد أشعل النبيّ روحه أوّلًا، وكان قلبه أوّل متحوّلٍ ومنقلبٍ. ففي البداية، تحقّق هيجان القيامة في باطنه، وهناك استطاع أن يجرّ العالم نحو فوران تلك القيامة. لقد استطاع أن يصنع إنسانًا، يقدّم نفسه ولا يضيّع فكره. فهل هذا الأمر مجرّد خُزعبلات؟ فهل كان مزاحًا أن يأتي بلال الحبشيّ، الذي كان شديد السواد، ويتلقّى كلّ ذلك الضرب، لا ذلك الضرب الخفيف بل ذلك الضرب المبرّح. فكيف ذلك؟ كلّ ذلك يحصل تحت ضرب السياط ووطأة ذلك التعذيب، وليس لدقيقةٍ أو ساعةٍ، في حين أنّه هو يصرخ ويقول: أحدٌ، أحدٌ، أحدٌ، أحدٌ[3]. ولو أردنا أن نعبّر عن هذا المعنى باللغة الفارسيّة فعلينا أن نجد جملةً مرادفة له، والمقصود هنا بهذا الكلام هو: الموت لكم، الموت لكم، الموت لكم، الموت لكم. هذا هو معنى أحدٌ؛ أحدٌ بالنّسبة لبلال. فما صنعه النبيّ بأبي ذرّ[4] أو ببلال، أو بالمقداد[5]، أو بعبد الله بن مسعود، في أوائل الإسلام والبعثة، لم يكن أمرًا بسيطًا أو عشوائيًّا. فقد أحدث الرسول (ص) التحوّل أوّلًا في ذواتهم.



* "البعثة في النبوّة" ، كتاب "الرؤية العامة للفكر الإسلامي على ضوء القرآن الكريم" للإمام الخامنئي