عن أمير المؤمنين: "لَا يَصْدُقُ إِيمَانُ عَبْدٍ، حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ" .

"صدق الإيمان بالشيء يقينه وكماله. ومن كماله حسن الرجاء للَّه والتوكَّل عليه، حتّى يكون أوثق بما في يد اللَّه منه بما في يده. وذلك لتيقّن وصول رزقه من اللَّه، وجزمه بذلك الأقوى من جزمه ووثوقه بما في يده، لجواز تلفه وعدم ثباته. وهي مرتبة عالية من مراتب التوكَّل" . المراد بأوثق الوثوق بالرزق من اللَّه.

وفي (مروج الذهب) وقف عَلَى علِيّ سائل، فقال للحسن: "قل لأمّك تدفع إليه درهماً، فقال إنّما عندنا ستة دراهم للدقيق، فقال عليّ: لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون بما في يد الله أوْثَقَ منه، بما في يده، ثمّ أمر للسائل بالستة الدراهم كلّها، فما برح عليّ عليه السلام عنه حتّى مرّ به رجل، يقود بعيراً،

فاشتراه منه بمائة وأربعين درهماً، وأنسأ أجَلَه ثمانية أيّام، فلم يحلَّ أجله حتّى مرّ به رجل، والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزَنَ له الثمن، فدفع عليّ منه مائة وأربعين درهما للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السلام، فسألته: من أين هي؟ فقال هذه تصديقٌ لما جاء به أبوك صلّى الله عليه (وآله): ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾" .

الأركان الأساسيّة لصدق الإيمان:
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .

وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .

- هذه الآيات الكريمة، تهدينا إلى علامة محوريّة لصدق الإيمان بالله واليوم الآخر، وهي العمل الصالح بمقتضى ذلك الإيمان، ولهذا العمل ركنان أساسيّان وهما:
الركن الأوّل: هو ما يظهر في سلوك المؤمن بالله، وعلاقته مع ربّه، وهذا ما يشير إليه تعبير ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾، والصلاة هي عمود الدين، ومركز الارتباط بالله، ومنطلق التخلق بأخلاقه. وفي سورة الأنفال تفصيل لآثار الارتباط بالله، تتمثّل بالآتي:
أ- بالخشية الإيجابيّة منه عزّ وجلّ ﴿إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذه الخشية هي جوهر التقوى التي تحصّن المؤمن من ارتكاب المعاصي.

ب- وبزيادة ذكر الله لإيمان المؤمن، من خلال دوام تفكّره في آيات الله في الآفاق والنفس، فتترسّخ باستمرار حقائق الإيمان في قلبه، وتظهر في عمله، وتتمثّل آثار الارتباط بالله عزّ وجلّ.
ت- في التوكّل على الله، والاستمداد منه، والرضا بقضائه، والتسليم لأمره وطاعته.

الركن الثاني: الإنفاق ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ والإنفاق في سبيل الله هو من أوضح مصاديق الإيمان بالدار الآخرة.
وفي هذه يشير الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، وهو يشرح قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ قال: "بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا يوقنون، لا يشكون فيها أنّها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل ممّا عملوا الأعمال السيّئة بمثل ما كسبوه" .

علامات صدق الإيمان:
هناك أربع علائم لمعرفة صدق الإيمان:
الأولى: علائم عباديّة:
أ- العبادة هي التجسيد الحقيقيّ للإيمان وتحتلّ مركز الصدارة في الكشف عن حقيقة إيمان الإنسان. يقول أمير المؤمنين: "لا عبادة كأداء الفرائض" .

ب- هناك علاقة طرديّة بين الإيمان والعبادة، كلّما أزداد إيمان العبد أقبل على العبادة أكثر فأكثر، وظهرت عليه علائم التفاعل معها والانفعال بها. كما هي حال أهل البيت عليهم السلام، الذين ضربوا بعبادتهم أروع الأمثلة. عن أبي عبدالله قال: "كان أبي يقول: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّه سَاقُ شَجَرَةٍ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْه شَيْءٌ إِلَّا مَا حَرَّكَته الرِّيحُ مِنْه" .

ج- والعبادة لا ينحصر مصداقها في الصلاة والصيام، وما إلى ذلك من الفرائض العباديّة، فعن أمير المؤمنين أنّ: "التفكّر

في آلاء الله نعم العبادة" ، وعنه أيضاً: "التفكّر في ملكوت السماوات والأرض عبادة المخلصين" .

الثانية: علائم نفسيّة: ومنها
أ- الصلابة والثبات: روي عن الإمام الصادق في وصف المؤمن أنّه قال: "... وَقُورٌ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ صَبُورٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ شَكُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ قَانِعٌ بِمَا رَزَقَه اللَّه،.. " .

ب- التزام الحقّ عند الرّضا والغضب: عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّه فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّه: ثَلَاثُ خِصَالٍ، مَنْ كُنَّ فِيه اسْتَكْمَلَ خِصَالَ الإيمان، إِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْه رِضَاه فِي بَاطِلٍ، وإِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْه الْغَضَبُ مِنَ الْحَقِّ، وإِذَا قَدَرَ لَمْ يَتَعَاطَ مَا لَيْسَ لَه" .

ج- البشر وانشراح الصدر: عن أمير المؤمنين عليه السلام:

"بِشْرُه فِي وَجْهِه وحُزْنُه فِي قَلْبِه أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً،.." .

د- قوّة الإرادة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تذكّر، وإذا تكلّم ذكر، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدّة صبر، فهو قريب الرضى بعيد السخط، يرضيه عن الله اليسير، ولا يسخطه الكثير، ولا يبلغ بنّيته إرادته في الخير، ينوي كثيراً في الخير، ويعمل بطائفةٍ منه، ويتلهّف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به" .

هـ- الاستغلال الأمثل للزمن: عن أمير المؤمنين: "لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّه وسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَه وسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِه وبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيمَا يَحِلُّ ويَجْمُلُ ولَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلَّا فِي ثَلَاثٍ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ خُطْوَةٍ فِي مَعَادٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ" .

الثالثة: علائم أخلاقيّة: لا يخفى أنّ هناك علاقة وطيدة بين

الإيمان والأخلاق، كلّما سما المؤمن في إيمانه حسنت أخلاقه، يقول عليه السلام: "لَا تَنْظُرُوا إِلَى طُولِ رُكُوعِ الرَّجُلِ وسُجُودِه، فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ اعْتَادَه، فَلَوْ تَرَكَه اسْتَوْحَشَ، لِذَلِكَ، ولَكِنِ انْظُرُوا إِلَى صِدْقِ حَدِيثِه وأَدَاءِ أَمَانَتِه" .

الرابعة: علائم اجتماعيّة: من الأمور الهامّة التي تكشف عن مدى إيمان الفرد، شعوره نحو أبناء جنسه، وعلاقته معهم. ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "الْمُؤْمِنُ حَسَنُ الْمَعُونَةِ، خَفِيفُ الْمَؤونَةِ، جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِه، لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" .

وقد اعتبر الرسول الأكرم أنّ: "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش" .