إنَّ فريقاً من المشائمين تناولوا الحوادث المفجعة وظهور الآفات والمشكلات والاحباطات التي تصيب الانسان في حياته، وجعلوها ذريعة لانكار عدالة الله، بل حتى إنكار وجود الله ذاته.

ونحن نذكر بعضاً من حكم الحوادث والفواجع

1- الانسان يتربى في أحضان المشكلات
نكرر مرّة اُخرى أنَّ الانسان ينبغي الاّ يخلق بيده المشكلات والفواجع لنفسه. ولكن كثيراً ما يحدث أنْ تكون الحوادث الصعبة والمفجعة سبباً في تقوية إرادتنا وزيادة قدرتنا على التحمل، كالفولاذ الذي يدخلونه النّار الحامية فيزداد قوّة وصلابة. إنَّنا ندخل أتون هذه الحوادث لنخرج أكثر تجربة وأصلب عوداً.

الحرب حدث سيء ولكن ربّ حرب ضروس طويلة الامد كشفت عن مواهب الشعب الكامنة، وأبدلت تشتته وحدة، وأسرعت في جبران نواقصه.

يقول أحد المؤرخين الغربيين المعروفين:

"إنَّ كلّ حضارة لامعة ظهرت على امتداد التاريخ فى مكان ما ظهرت بسبب تعرض ذلك الشعب لهجوم دولة عظمى خارجية، فأيقظت قواه الكامنة وحشدتها".

بديهي أن تأثر جميع الاشخاص والمجتمعات بحوادث الحياة المرّة ليس بمستوى واحد، فبعض ينتابهم اليأس ويستولي عليهم الضعف والتشاؤم، فيكون تأثرهم سلبياً، و بعض آخر لهم الاستعداد والاهلية ليتفاعلوا مع تلك الحوادث تفاعلاً إيجابياً، فيكون ذلك سبباً في تحريك مواهبهم ومؤهلاتهم فتفور وتغلي وتسرع لاصلاح نقاط الضعف فيهم.

ولكن بما أنَّ معظم الناس يصدرون أحكاماً سطحية في مثل هذه الحالات، فانهم يرون المنغصات ويتذوقون مرارتها، دون الالتفات الى آثارها الايجابية البنّاءة.

إنَّنا لا ندّعي بأن جميع الحوادث المرّة لها مثل هذه التأثيرات في الانسان، ولكن لقسم منها، في الاقل، مثل هذه التأثيرات.

لو إنَّك درست سيرة نوابغ العالم لرأيت أنَّهم في الاغلب قد كبروا وترعرعوا في خضم المشكلات والمصاعب. وقلّما تجد بين المتنعمين المرفهين من أظهر شيئاً من النّبوغ في حياته ووصل الى مراكز رفيعة. إنَّ القادة العسكريين العظام هم اولئك الذين شهدوا حروباً طويلة صعبة. والعقول الاقتصادية المتفكرة هي التي صارعت تقلبات الاسواق والازمات الاقتصادية في العالم. السياسيون العظام الاقوياء هم الذين استطاعوا منازلة المشكلات السياسية العويصة. باختصار، إنَّ المشكلات وا لآلام هي التي تربى الانسان في أحضانها. نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرَاً كَثيْرَاً﴾(النساء:19)

2- المشكلات سبب العودة الى الله
إنَّ لكل جزء من أجزاء وجودنا هدفاً معيناً. فالعين خلقت لهدف، والاذن خلقت لهدف آخر، وكذلك القلب والدّماغ والاعصاب خلقت ولكلّ منها هدف، وحتى خطوط رؤوس أصبعناً لها في خلقها هدف وحكمة.

إذن، كيف يمكن أنْ تكون كلّ وجودنا بدون هدف و حكمة؟

ثم أنَّ الهدف ليس سوى بلوغ الانسان التكامل من جميع الوجوه. لاشك أنَّ الوصول الى هذا التكامل يتطلب برامج تعليمة وتربوية عميقة تستغرق كل كيان الانسان. لذلك فإنَّ الله سبحانه وتعالى، فضلاً عن كونه قد وهب الانسان فطرته التوحيدية الطاهرة، ارسل الانبياء العظام والكتب السماوية للإضطلاع بمهمة قيادة الانسان في مسيرته التكاملية.

وفي غضون ذلك، يريه الله أحياناً انعكاسات ذنوبه ويواجهه ببعض المشكلات و الآلام في حياته، للوصول به الى التكامل عن طريق انكشاف عواقب أعماله القبيحة المشؤومة، فيندم ويعود بتوجهه الى الله. في هذه الحالة يكون بعض المشكلات والحوادث المؤلمة رحمة من الله ونعمة. وفي هذا يقول القرآن الكريم: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِي النَّاسِ لِيُذِيْقَهُم بَعْضَ الّذَي عَمِلُوا لَعَلَّهُم يَرجِعُون﴾(الروم:41)

وبهذا تكون نظرتنا الى الحوادث المؤلمة على اساس أنَّها "شرّ وبلاء" وأنَّها تخالف العدالة الالهية، نظرة بعيدة كل البعد عن المنطق والدّليل العقلي، إذ إنَّنا كلما إزددنا تعمقاً في هذا الموضوع إزداد أمامنا وضوح مافيه من حكمة وما وراءه من فلسفة.

3- التّقلبات والمشكلات تهب الحياة روحاً وحيوية
لعل من الصعب على الكثيرين أدراك أنَّ النّعم والعطايا إذا إستمرت على وتيرة واحدة تفقد قيمتها وأهميتها.

لقد ثبت اليوم علمياً إنَّنا إذا وضعنا جسماً في حجرة مدورة ملساء تماماً وسلطنا عليه نوراً قوياً من جميع الجهات لما امكنت رؤية ذلك الجسم. لأنَّ وجود الظل الممتد من الجسم بسبب الضوء هو الذي يعين لنا أبعاد الجسم ويميزه عمّا يحيط به، وعندئذ نستطيع أنْ نراه.

كذلك هي حال عطاءات الحياة، فلا يمكن رؤيتها بغير الظلال الخفيفة والثقيلة. ولو لا المرض في بعض فترات الحياة لما عرفنا لذّة السّلامة. إنَّنا على أثر ليلة من الحمى الشديدة والصداع القاتل الاليم، نشعر صباحاً بعد انقطاع الحمى وزوال الصداع من اللّذة والحلاوة في العافية بحيث إنَّنا كلّما تذكرنا تلك اللّيلة العصيبة أدركنا قيمة السّلامة والعافية عندنا.

إنَّ الحياة نفسها، حتى المسرفة في الرفاهية والرخاء، تكون مملة وعديمة الروح وقاتلة لو أنَّها مضت على وتيرة واحدة. كثيراً ما لوحظ أن بعض النّاس يعانون الألم والعذاب بسبب رتابة حياتهم المرفهة الخالية من كل منغص وقلق الى درجة أن بعضهم يقدم على الانتحار، أو لا يكف عن الشكوى من حياته.

إنَّك لن تجد مهندساً معمارياً يبني جدران غرفة الاستقبال رتيبة مسطحة كجدران السجن،بل أنَّه يضيف عليها من الانعطافات والانحناءات المناسبة ليخرجها من الرتابة.

لماذا يتميز عالم الطبيعة بكل هذا الجمال؟
لماذا تثير فينا الغابات على سفوح الجبال، والانهار المنسابة بين الاشجار تلتوي في المنحنيات كالأفعى، هذا الشعور بالبهجة؟

إنَّ أحد الأجوبة هو: أنَّها ليست رتيبة.

إنَّ من أهم آثار نظام "النّور" و"الظّلام"، وتعاقب الليل والنهار الذي يشير اليه القرآن في عدد من آياته، كسر رتابة الحياة الانسانية، إذ لو ظلّت الشّمس تسطع من مكان واحد في السماء على الكرة الأرضية، بغير أنْ تغير موضعاً ولا أنْ تخلي مكانها لا ستار الليل الذهبية، ويصرف النظر عن المشكلات الاخرى، لانتاب البشر التعب والملل.

فعلى هذا الاعتبار لا مندوحة لنا من الاعتراف بأنَّ قسماً، على الاقل من حوادث الحياة المؤلمة لها تأثيرها في اضفاء الحيوية على الحياة، فتجعلها حلوة يمكن تحملها، وتبرز نعمها وقيمها، و تتيح للانسان الفرصة لكي يستفيد ممّا وهبه الله بأقصى ما يستطيع.

4- المشكلات المصطنعة
النّقطة الاُخرى التي نرى ضرورة الاشارة إليها في ختام هذا البحث هو أنَّ كثيراً من الناس يخطئون في معرفة علل هذه الحوادث المنغصة والصعاب، فيضعون الظلم الذي يرتكبه الظالمون في حساب ظلم الطبيعة.

يقولون مثلاً: لماذا تكثر الاحجار في طريق الأعرج؟ لماذا تكون ضحايا الزلازل في المدن أقل من القرى والارياف؟ فأي عدالة هذه؟ إذا كان لابدّ من توزيع كارثة ما على الناس، فلماذا لا تتوزع بالتساوي؟ لماذا يتوجه نصل الحوادث الى المستضعفين دائماً؟ لماذا تنتشر الامراض الوبائية بين هؤلاء أكثر من انتشارها بين غيرهم؟

هؤلاء لا يدركون أنَّ هذه الاُمور لا علاقة لها بالطبيعة وبعدالة الله، بل هى من نتائج ظلم الانسان لاخيه الانسان واستعماره واستغلاله.

لو لم يكن القرويون ويعيشون في الفقر والحرمان بسبب ظلم المدنيين، بل كانوا قادرين على تشييد دورهم بالمتانة التي يشيد بها المدنيون دورهم في المدينة، لما وقعت اكثرية ضحايا الزلازل في القرية.

ولكن عندما لا يكون بمقدورهم أنْ يبنوا دروهم، إلاّ بالطين أو بالحجر والاخشاب، دون أنْ تصل أيديهم الى الاسمنت والحديد، بل يضعون كتل الطين أو الحجر في صفوف بعضاً فوق بعض، فلاشك أنَّها ستكون عرضة للانهيار عند هبوب أية ريح أو أية زلزلة خفيفة. وفي هذه الحالة لا يمكن أنْ نتوقع لهم مصيراً أفضل . ولكن ما علاقة هذا بعدالة الله؟

إنَّنا لا يجوز لنا أنْ نعترض قائلين: إنَّ الله قد أعطى بعض الناس مائة نعمة ونعمة، وأجلس آخرين على تراب الذلة، فذلك يسكن في قصر منيف، وهذا في كوخ ضعيف!

هذه الانتقادات ينبغي أنْ توجه الى الوضع الاجتماعي الذي فقد توازنه واختل نظامه وسار في اتجاه خاطيء.

يجب النهوض لوضع حد للظلم الاجتماعي وفقدان العدالة في المجتمع، وللقضاء على الفقر والحرمان، ولإعادة حقوق المستضعفين لاصحابها، ليكلا تحدث هذه الظواهر.

لو أنَّ جميع طبقات الشعب نالوا الغذاء، الكافي والعلاج الطبي اللازم، لاستطاعوا جميعاً ضمان صحتهم ومقاومة الامراض.

ولكن عندما تكون الحالة الاجتماعية في نظام إجتماعي متدنّية، والحكومة توفّر لطبقة من الطبقات كلّ الامكانات بحيث أنَّ كلابها وقططها تحظى بالعناية الطّبية وبالعلاج والدواء، بينما لايتوفر لطبقة آخرى حتى الحدّ الادنى البدائي من العناية الصّحية للاهتمام بمواليدها الجدد، فان نسبة الوفيات بين أفرادها ستكون حتما مرتفعة ويرى الانسان الكثير من تلك المشاهد المؤلمة.

ففي أمثال هذه الحالات، بدلاً من توجيه النقد الى أفعال الله، علينا أنْ نوجهه الى أفعالنا:

علينا أنْ نقول للظالم: لا تظلم.

وعلينا أنْ نقول للمظلوم: لا تخضع للظلم!

وعلينا أنْ نسعى لكي ينال جميع أفراد المجتمع الحد الادنى، من العناية الصّحية والعلاجية والغذائية ومن السكنى والثقافة والتعليم والتربية.

لذلك ليس لنا أنْ نلقي بتبعة ذنوبنا وآثامنا على عاتق نظام الخليقة. متى فرض الله تعالى علينا حياة كهذه؟ متى اُمرنا بمثل هذا النظام؟

صحيح أنَّ الله قد خلقنا أحراراً، لانّ الحرية هي أساس التكامل والتقدم، ولكننا نحن الذين نسيء استغلال هذه الحرية و نستسيغ انزال الظلم بالآخرين. فتظهر نتائج هذا الظلم بصورة اضطرابات اجتماعية.

يقول الله في كتابه المجيد: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكنَّ النَّاسَ أنْفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾