المستفاد من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية أنّ العفّة تعدّ من أعظم الفضائل الأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن لأيّ شخص أن يسير نحو الكمال الإلهي من دون التحلّي بها، ونجد في حياتنا الدنيوية أنّ كرامة الإنسان وشخصيته وسمعته رهينة بالتحلّي بهذه الفضيلة الأخلاقية ، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .

ولقد تحدّثت الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام عن قيمة العفّة، وكونها صفة إنسانية وخلقية ينبغي أن يهتمّ بها الإنسان في تربيته لنفسه، وسلوكه مع الآخرين، وذلك لما يترتّب على سجيّة العفّة من الآثار حتى وضعت العفيف بمنزلة الملائكة، ووصف العفاف بأنّه أفضل من العبادة. عن الإمام علي عليه السلام: "أفضل العبادة العفاف" ، وعنه عليه السلام في وصيّته لمحمد بن أبي بكر، لمّا ولاه مصر: "يا محمد بن أبي بكر، اعلم، إنّ أفضل العفّة الورع في دين الله والعمل بطاعته..." .

وعنه أيضاً: "ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممّن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة" . وهي أفضل شيمة، وعنه عليه السلام: "العفّة أفضل الفتوّة"، وعنه عليه السلام: "زكاة الجمال العفاف" ، وعنه عليه السلام: "والعفاف زينة الفقر" .

الحثّ على عفّة البطن والفرج
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ .

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أحبّ العفاف إلى الله تعالى عفاف البطن والفرج" .

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "ما عُبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن وفرج" .

وعن الإمام علي عليه السلام: "إذا أراد الله بعبد خيراً أعفّ بطنه وفرجه" .

فمن الواضح أنّه من أهمّ الآثار التربوية للعفّة حفظ الجوارح عن محارمِ الله، فيحفظ بصرَه عن النّظرِ إلى ما حرّم الله النّظرَ إليه، قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ . وكذلك يحفظ لسانه من الخضوع بالقول، قال جلّ وعلا مخاطبًا نساء النبيّ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ، ويحفظ سائر جوارحه، وجاء: "لأَن يُطعَنَ في رأسِ أحدِكم بمِخيَطٍ من حديدٍ خيرٌ لهُ مِنْ أن يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ لهُ" .
العفاف صفة يحبّها الله
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يحبّ الحييّ المتعفّف، ويبغض البذي السائل الملحف" . وعن الإمام علي عليه السلام في صفة المتّقين: "حاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة" .

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو: "اللهمّ، إني أسألك الهُدى والتُقى والعفاف والغنى!" .
كلمة من القلب
أيّها العزيز، إنّ من أسباب العفّة إقامة حدود الله، فإنّ إقامة حدود الله تُذكّر المجرم بآلامها فتردعُ من يريد السوء والفساد.

أيّها المسلم، إنّ تقوى الله جلّ وعلا خير رادعٍ عن المعاصي وواقٍ عن المحرّمات، والإيمان القويّ يُحدث في القلب خوف الله والحياء منه وتذكّر الدار الآخرة، فكلّما تذكّر عظمة الله خاف من ربّه، وكلّما تذكّر نِعم الله استحيا من ربّه، وكلّما تذكّر الآخرة دعاه إلى ترك الشهوات والإقبال على الله بالأعمال الصالحة ومخالفة هوى النّفس الدّاعية إلى السوء.

أيّها المسلم، وإنّ ثمار العفّة كثيرة، فمن أعظم ثمار العفّة سلامة المجتمع من هذه الأمراض الخطيرة، سلامة المجتمع من هذه الفواحش والبُعد عنها ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ ، سلامة المجتمع من أضرارها الخطيرة المترتّبة على فشوّها من الأمراض الخطيرة التي تؤذِن بدمار المجتمع وفساده.