إتساع مفهوم الأدب لجميع العلاقات الإنسانية





الحقيقة أنَّ أدب التعامل مع الآخرين لـه مفهوم شامل، يتسع اتساع العلاقات الإنسانية بين بني البشر. والروابط التي تجمع بين الناس كثيرة، فمن رابطة الدم، إلى رابطة الفكرة والمبدأ، ورابطة العمل والوظيفة، ورابطة الصداقة والصحبة، ورابطة الجنس والعرق، والرابطة التجارية والاقتصادية، ورابطة العقيدة التي تُعدّ من أقوى الروابط وأمتنها. ولكن قوّة رابطة العقيدة، لا تعني أنَّ أدب التعامل مع الآخرين لا يدور إلا في نطاقها، ولا يشمل التعامل مع أصحاب العقائد الأخرى من غير المسلمين، بل إنَّ أدب التعامل يتسع ليشمل الإنسانية كلَّها.

ولا بدّ لنا في هذا السياق من التفريق بين أدب التعامل مع الآخرين وبين الولاء لهم. فإنّ الولاء للقيادة الربّانية وللمسلمين مختلف عن الآداب مع الآخرين. فالتبرّؤ من أعداء الله لا يعني الإساءة في معاملتهم، أو أكل حقوقهم، أو سبّهم والفحش معهم في القول، أو عدم ملاطفتهم. فالولاء هو سلوك الباطن، والمحبة القلبية، وما يترتّب على ذلك من نصرة وإعانة وانقياد للقائد، ومن هنا تكون الآداب أهم وأعظم في من يربطني بيني وبينهم علاقة الولاء فكيف اذا كان هذا الشخص هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي تجب طاعته والانقياد له بالمطلق وبأعلى الدرجات المتصوّرة فينبغي أن تكون الآداب في العلاقة معه بأعلى الدرجات الممكنه أما عكسها فهو دليل حقيقي على اللاعقل. فالتعامل الحسن، هو سلوك الجوارح والعلاقة الظاهرية ويكون مع كل البشر. أما الولاء فهو بين المسلمين خاصة. ولعلّ ما ورد في سورة الممتحنة، هو من أوضح الآيات التي تُميّز بين الولاء وبين البرّ وحُسن التعامل، يقول تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .

وعلى كل حال هناك تعاريف متعدّدة للأدب فهو ما يتولّد من صفاء القلب وحضوره. أو كما عند بعضهم هو مجالسة الخلق على بساط الصدق ومطالعة الحقايق بقطع العلايق. أو هو وضع الأشياء موضعها .

وعرّفه العلّامة الطباطبائي رضوان الله عليه بأنه: الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع إما في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم كآداب الدعاء وآداب ملاقاة الأصدقاء.2

ولا يكون إلا في الأمور المشروعة غير الممنوعة، فلا أدب في الظلم والخيانة والكذب ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة، ولا يتحقّق أيضاً إلا في الأفعال الاختيارية التي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة حتى يكون بعضها متلبّساً بالأدب دون بعض، كأدب الأكل مثلاً في الإسلام، وهو أن يبدأ فيه باسم الله ويختم بحمد الله ويأكل دون الشبع إلى غير ذلك، وأدب الجلوس في الصلاة، وهو التورك على طمأنينة ووضع الكفّين على الوركين فوق الركبتين والنظر إلى حجره ونحو ذلك.

وإذا كان الأدب هو الهيئة الحسنة في الأفعال الاختيارية والحسن وإن كان بحسب أصل معناه وهو الموافقة لغرض الحياة مما لا يختلف فيه أنظار المجتمعات، لكنّه بحسب مصاديقه ممّا يقع فيه أشدّ الخلاف، وبحسب اختلاف الأقوام والأمم والأديان والمذاهب وحتى المجتمعات الصغيرة المنزلية وغيرها في تشخيص الحسن والقبح يقع الاختلاف بينهم في آداب الأفعال.

* كتاب أسوار الأمان