إن أول ما يلفت انتباهنا في قضية عاشوراء هي أن نلاحظ ماذا حدث بعد خمسين سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحيث وصل الحد إلى أن يضطر مثل الإمام الحسين عليه السلام إلى أن يضحّي بنفسه لأجل إنقاذ المجتمع الإسلامي. تارة تكون هذه التضحية بعد ألف عام من صدر الإسلام أو تكون في مركز الدول والشعوب المعاندة للإسلام والمعارضة له وهذا كلام آخر. ولكن الذي يجدر بالبحث والتأمل هو أن تكون هذه الثورة في مركز الإسلام وفي المدينة ومكة "مركز الوحي" وبواسطة الإمام الحسين بن علي عليه السلام بحيث لا يجد وسيلة غير التضحية بنفسه تضحية دموية عظيمة.

إذن فأي وضع كان بحيث يشعر الحسين بن علي عليه السلام أن حياة الإسلام مرهونة بالتضحية بنفسه، وإلاّ سيفرّط بالإسلام؟ فنحن يجب أن ننظر ونلاحظ الذي حدث حتى آل الأمر إلى أن يصبح شخص كيزيد حاكماً على المجتمع الإسلامي ؟ المجتمع الإسلامي الذي كان النبي فيه حاكماً في مكة والمدينة ويعطي فيه الرايات للمسلمين
فيذهبون إلى أقصى نقاط جزيرة العرب وحدود الشام ويهددون الإمبراطورية الرومانية ويفرّ جنود العدو أمامهم ويرجع المسلمون مؤزرين بالنصر "كما حدث في تبوك" كيف أصبح هذا المجتمع الإسلامي الذي كان يعلو في مسجده وشوارعه صوت تلاوة القرآن ويقرأ فيه شخصية كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات القرآنية بلحنه وأنفاسه ويعظ فيه الناس ويقودهم إلى الصراط القويم. ماذا حلّ بهذا المجتمع وهذا البلد وهذه المدن بحيث ابتعدوا عن الإسلام لدرجة أن يتآمر عليهم شخص كيزيد؟ لماذا يحلّ ظرف بحيث يكون فيه مثل الحسين بن علي عليه السلام مضطراً إلى هذه التضحية العظيمة والتي لا نظير لها في التاريخ، ما الذي حصل حتى وصلوا إلى هذه الحالة؟ يجب أن نبحث هذا الأمر بدقة.

فنحن اليوم بمجتمع إسلامي، ويجب أن نرى ما هي الآفة التي حلّت بذلك المجتمع الإسلامي بحيث أوكل أمره إلى يزيد، وآل الأمر إلى رفع رؤؤس أولاد أمير المؤمنين عليه السلام على القنا وان يُطاف بها في المدينة التي كان يحكم فيها قبل عشرين سنة.

فالكوفة هي نفس تلك المدينة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام يتجول في أسواقها، ويحمل سوطه على عاتقه ليأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهناك كانت تعلو أصوات تلاوة القرآن في آناء الليل وأطراف النهار من المسجد، هذه هي المدينة التي يُطاف فيها الآن ببنات وحرم أمير المؤمنين عليه السلام أسرى في سوقها. ما الذي حدث حتى وصل الحال إلى هنا بعد عشرين عاماً؟ الجواب هو وجود مرض في المجتمع له القدرة على أن يوصل خلال بضع عقود مجتمعات كان
يترأسها أمثال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الوضع المأساوي، فهذا مرض خطير ولذا يجب أن يحذر مجتمعنا من الابتلاء بهذا المرض ويجب أن نحدده ونعتبره خطراً جدياً ونتجنب عنه، وفي نظري فإن نداء عاشوراء هذا أشد فورية لنا اليوم من سائر دروس ونداءات عاشوراء. يجب أن ندرك أيّ بلاء حلّ على المجتمع الإسلامي بحيث يطاف برأس الحسين عليه السلام السبط الأول في العالم الإسلامي وابن خليفة المسلمين علي بن أبي طالب عليه السلام في نفس المدينة التي كان يتربع والده على منبر الخلافة فيها ومن دون أن يتحرك ساكن، يجب أن نفهم كيف جاء أشخاص تلك المدينة إلى كربلاء ليقتلوه هو وأصحابه عطاشى ويسبوا حرم أمير المؤمنين عليه السلام ولكنني أعرض آية قرآنية في مقام الجواب عن هذه التساؤلات. لقد أعطى القرآن الجواب وحدده للمسلمين في آفتين ومرضين، وهذه هي الآية: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.

إذن هناك عاملان هما أساس للضلالة والانحراف العام، أحدهما الابتعاد عن ذكر الله والذي يتجلّى في الصلاة والعبادة، والذي يعني الغفلة عن الله والمعنويات وفصل الحياة عن المعايير المعنوية، وإهمال التوجه إلى الله تعالى والذكر والدعاء والتوسل وطلب التوفيق منه، والتوكل عليه وفصل الحسابات الإلهية عن الحياة. والعامل الآخر هو إتباع الشهوات والملذات وبعبارة واحدة السعي وراء الدنيا والاشتغال بجمع الثروات والمال والوقوع فريسة للشهوات الدنيوية واعتبارها أساساً ومبدأً ونسيان الأهداف الحقيقية.
هذا مرض رئيس وخطير ويمكن أن نبتلي نحن به أيضاً، فلو أن الحالة المبدئية تزول أو تضعف عندنا وكل منا يفكر بأن ينتزع حصته من الغنيمة حتى لا نتخلف في دنيانا عن الآخرين. ويقول في نفسه أن الآخرين قد جمعوا لأنفسهم ويجب أن نذهب نحن أيضاً لنجمع لأنفسنا ونضع مصالحنا فوق مصالح المجتمع، فمن المعلوم حينئذ أن يصل بنا الحال إلى ذلك الوضع. فسِِرّ وجود النظام الإسلامي وبقاءه وتطوره هو الإيمان والهمم العالية والاهتمام بالمبادىء وإحيائها ، ومعلوم أن توهين الأهداف واللامبالاة في أصول الإسلام والثورة وفهم كل الأمور والتعامل معها بذهنية مادية سوف يصل بالمجتمع إلى تلك الوضعية.

ولهذا السبب ابتلي بها أولئك الناس ففي وقت كان المسلمون يهتمون بتطوير الإسلام ورضا الله وتعليم الدين والمعارف الإسلامية والإطلاع على القرآن والأنس بمعارفه. وكان الجهاز الحكومي والإداري للبلاد جهازاً زاهداً في الدنيا، تقياً، لا يعير أهمية لزخارف الدنيا والشهوات الشخصية. فكانت النتيجة حينذاك الحركة العظيمة التي توجّه الناس فيها إلى ربهم، في تلك الوضعية يبرز مثل علي بن أبي طالب عليه السلام خليفة للمسلمين ومثل الحسين بن علي عليه السلام شخصية مرموقة. والسبب هو أن تلك المعايير تتجسد فيهم أكثر من غيرهم. عندما يكون المعيار هو الله والتقوى والإعراض عن الدنيا والجهاد في سبيل الله، فإن الذي يتواجد في الساحة حينئذ هم الأفراد الواجدون لهذه المعايير، هؤلاء هم الذي يأخذون مقاليد الأمور بأيديهم ويصبح المجتمع مجتمعاً إسلاميا، ولكن عندما تتبدل المعايير الإلهية فسوف

29
يستلم الأمور كل من هو أحرص على الدنيا وأشدّ في أتباع الشهوة وتحصيل المنافع الشخصيّة وأبعد عن الصدق والحقيقة، حينذاك تكون النتيجة صيرورة أمثال عمر بن سعد والشمر وعبيد الله بن زياد أمراء، وذهاب أمثال الحسين بن علي عليه السلام إلى المذبح واستشهاده في كربلاء وهذه قضية منطقية.

ينبغي أن يسمح الأشخاص الحريصون بتبدل المعايير في المجتمع، فلو أبدل معيار التقوى في المجتمع فمما لا شكّ فيه أن يُراق دم إنسان تقي كالإمام الحسين بن علي عليه السلام ، ولو أن الدهاء والانغماس في الشؤون الدنيوية والإيقاع بالآخرين والدجل وعدم الاهتمام بالقيم الإسلامية. اعتبرت ملاكاً في الأفضلية. فإن شخصاً كيزيد يجب أن يكون على رأس السلطة ويجب أن يصبح شخص مثل عبيد الله الرجل الأول في العراق، لقد كان همّ الإسلام هو تغيير هذه المقاييس وكل همّ ثورتنا كان الوقوف بوجه هذه المقاييس المادية العالمية الباطلة والخاطئة وتغييرها.