إن من أعظم ما نتعلمه من كربلاء أننا عندما نكون بين خيارين فإن الخيار الذي نختاره لا بد وأن يكون ما فيه أمان النفوس في يوم القيامة مهما كانت مخاطره في هذه الدنيا، ولذا تكرر من الإمام الحسين (عليه السلام) تعليم أصحابه أنهم بين خيار الدنيا وخيار الآخرة، وتكرر من أصحابه التأكيد على خيار الفوز بالآخرة على الدنيا وما فيها.

وفي كتاب له لأحد أصحابه يقول (عليه السلام):"أَمّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ مَنْ دَعا إِلىَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنّني مِنَ الْمُسْلِمينَ، وَقَدَ دَعَوْتَ إِلَى الأْمانِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَخَيْرُ الأْمانِ أَمانُ اللهِ، وَلَنْ يُؤمِنَ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَنْ لَمْ يَخَفْهُ في الدُّنْيا، فَنَسْأَلُ الله مَخافَةً في الدُّنْيا تُوجِبُ لَنا أَمانَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ".

وعندما بدأت تتلاحق الأحداث وظهر خذلان أهل الكوفة للإمام (عليه السلام) وانقلابهم على مسلم بن عقيل قام الحسين (عليه السلام) بذي حسم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:"إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِنَ الأْمْرِ ما قَدْ تَرَوْنَ، وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ وَأَدْبَرَ مَعْرُوفُها، وَاسْتَمَرَّتْ جِدّاً وَلَمْ يَبْقَ مِنْها إِلاّ صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الإناءِ، وَخَسيسِ عَيْش كَالْمَرْعَى الْوَبيلِ، أَلا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْباطِلَ لا يُتَناهى عَنْهُ، لِيَرْغَبَ الْمؤْمِنُ في لِقاءِ اللهِ مُحِقّاً، فَإِنّي لا أَرىَ الْمَوْتَ إِلاّ شَهادَةً، وَلاَ الْحَياةَ مَعَ الظّالِمينَ إِلاّ بَرَماً".

وعندما راجع الحر بن يزيد الرياحي نفسه وعلم أن أمان الآخرة أفضل من أمان الدنيا لم يتردد في الإقدام على بذل نفسه لذلك وقد ورد في الرواية أنه قال: "إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا اختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين (عليه السلام)".

ولما فرغ عليه السلام من الصلاة يوم عاشوراء قال لأصحابه: "يا كرام! هذه الجنة قد فتحت أبوابها، واتصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم، فحاموا عن دين الله ودين نبيه، وذبّوا عن حرم الرسول". فقالوا: "نفوسنا لنفسك الفداء، ودماؤنا لدمك الوقاء، فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب".

وورد في أحداث عاشوراء: "جاء عابس بن شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى بني شاكر فقال: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟ قال: ما أصنع! أقاتل معك دون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أقتل, قال: ذلك الظن بك فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك وحتى أحتسبك أنا, فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب".