ممّا قالته العقيلة عليها السلام في توبيخ يزيد: ".. وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنِ الْعُيُونُ عَبْرىَ، وَالصُّدَورُ حَرّىَ. أَلاَ فَالعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ.." .

تمهيد
تحرَّك موكب سبايا أهل البيت عليهم السلام من كربلاء المقدّسة نحو مدينة الكوفة وهو يقطع الصحاري، حاملاً الذكريات الموحشة والمؤلمة لليلة الفراق والوحشة، التي قضوها على مقربة من مصارع الشهداء، في الحادي عشر من المحرّم 61 هـ. وقد حمل جيش عمر بن سعد السبايا على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء ولا غطاء، وساقوهم كما يساق سبي الترك والروم في أشدّ المصائب، وتتقدّمهم الرؤوس على الرماح، حتّى دخل الركب الكوفة في اليوم الثاني عشر من المحرَّم 61 هـ .

1- مواقف السيدة زينب عليها السلام في كربلاء
تعتبر واقعة كربلاء من أهمّ الأحداث التي عصفت بالأمّة الإسلاميّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان للسيدة زينبعليها السلامدور أساسيّ ورئيس في هذه الثورة العظيمة، فهي الشخصيّة الثانية على مسرح الثورة بعد أخيها الحسين عليه السلام، كما أنّها قادت مسيرة الثورة بعد استشهاد أخيها الحسين عليه السلام وأكملت ذلك الدور بكلّ حكمة و جدارة.

وحينما حدثت الفاجعة الكبرى بمقتل أخيها الحسين عليه السلام بعد قتل كلّ رجالات بيتها وأنصارهم خرجت السيدة زينب تعدو نحو ساحة المعركة، تبحث عن جسد أخيها الحسين بين القتلى غير عابئة بالأعداء المدجّجين بالسلاح، فلمّا وقفت على جثمان أخيها الحسين عليه السلام، فالكلّ كان يتصوّر أنّها سوف تموت أو تنهار وتبكي وتصرخ أو يغمى عليها، لكن

ما حدث هزّ أعماق الناظرين، فوضعت يدها تحت جسده الطاهر المقطّع وترفعه نحو السماء وهي تدعو بمرارة قائلة: اللهمّ تقبَّلْ مِنّا هذا القربان.

2- خطبة السيدة زينبعليها السلام في الكوفة
لمّا دخل موكب السبايا الكوفة، خرج الناس إلى الشوارع، بين مُتسائل لا يدري لمن السبايا، وبين عارف يُكفكف أدمعاً ويُضمر ندماً.

ثمَّ اتَّجه موكب السبايا نحو قصر الإمارة، مُخترقاً جموع أهل الكوفة، وهم يبكون لما حلَّ بالبيت النبويّ الكريم، قال بشير بن خزيم الأسديّ: ونظرت إلى زينب بنت عليّ يومئذ، ولم أر خفرة والله أنطق منها، كأنّها تفرع من لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الأجراس، ثمّ قالت: "الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاَةُ عَلىَ جَدِّي مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَخْيَارِ، اَمَّا بَعْدُ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، يَا أَهْلَ الْخَتْلِ والْغَدْرِ، أَتَبْكُونَ؟! فَلَا رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ، ولَا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ، إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ...َأتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِيْ وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيراً، واضْحَكُوا قَلِيلاً، فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَناَرِهَا...وَيْلَكُمْ يَا أَهلَ الْكُوفَةِ، أَتَدْرُونَ أَيَّ كَبِدٍ لِرَسُولِ اللهِ فَرَيْتُم؟! وَأيَّ كَرِيمَةٍ لَهُأبْرَرْتُمْ؟! وَأَيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكْتُمْ؟! وَأّيَّ حُرْمَةٍ لَهُ انتَهَكْتُمْ؟! لَقَدْ جِئْتُمْ بِهَا صَلعَاءَ عَنْقَاءَ سَوْدَاءَ فَقُمَاءَ...أَفَعَجِبْتُمْ أَنْ مَطَرَتِ السَّمَاءُ دَماً، وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزىَ وَأَنْتُمْ لاَ تُنْصَرُونَ.." .

3- الحجّة والمنطق في مواجهة ابن زياد
ولمّا روى المجرم الخبيث ابن مرجانة أحقاده من رأس ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التفت إلى عائلة الإمام الحسين فرأى سيّدة منحازة في ناحية من مجلسه، وقد حفّت بها المهابة والجلال، فانبرى ابن مرجانة سائلاً عنها، فقال: مَن هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فأعرضت عنه احتقاراً واستهانة به، وكرّر السؤال فلم تجبه فانبرت إحدى السيّدات فأجابته: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم، وأبطل أحدوثتكم.

فثارت حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأجابته بشجاعة أبيها محتقرة له قائلة: "الحمْدُ للهِ الَّذي أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وَطَهَّرَنــــَا مِنَ الرِّجْسِ تَطْهِيراً، إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَيَكْذِبُ الْفَـــاجِرُ، وَهُوَ غَيْـــرُنَا يَا بْنَ مَرْجَانَة" .

وكذالك عندما خاطبها مستهزئا: كيف رأيت صنع الله بأخيك؟
فأجابته حفيدة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكلمات الظفر والنصر لها ولأخيها قائلة: "ما رَأَيْتُ إِلاّ جَمِيلاً، هؤُلاَءَ قَوْمُ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْقَتَلَ، فَبَرَزُوا إِلى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمعُ اللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِمَنِ الْفَلَجُ يَومَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا بْنَ مَرْجَانَةَ.." .

ولمّا أدار ابن مرجانة بصره في بقيّة الأسرى من أهل البيت عليهم السلام

فوقع بصره على الإمام زين العابدين عليه السلام، وقد أنهكته العلّة فسأله: من أنت؟ فقال عليه السلام: "عليّ بن الحسين.." - بعد حوار مع الإمام - فالتفت إلى بعض جلّاديه فقال له: خذ هذا الغلام واضرب عنقه. فانبرت العقيلة عليها السلام بشجاعة لا يرهبها سلطان، فاحتضنت ابن أخيها، وقالت لابن مرجانة: "حسبك يَا بْنَ زِيَادٍ مَا سَفَكْتَ مِن دِمَائِنَا، إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنّا أَحَداً، فَإنْ كُنْتَ عَزَمْتَ عَلى قَتْلِهِ فَاقْتُلْني مَعَهُ.." . ودَهِش الطاغية وانخذل، وقال متعجّباً: دعوه لها، عجباً للرَحِم ودَّت أن تُقتَل معه.

ولمّا أمر ابن مرجانة بحبس مُخدَّرات الرسالة وعقائل الوحي، فأُدخلْنَ في سجن، وقد ضُيِّقَ عليهنّ أشدَّ التضييق، فكان يجري على كلّ واحدة في اليوم رغيفاً واحداً من الخبز، وكانت العقيلة تُؤثِر أطفال أخيها برغيفها وتبقى ممسِكة حتّى بان عليها الضعف، فلم تتمكّن من النهوض وكانت تصلّي من جلوس، وفزع الإمام زين العابدين عليه السلام من حالتها فأخبرته بالأمر.

4- السيدة زينب في مواجهة الطاغية يزيد
وفي اليوم التالي أمر ابن زياد جنده بالتوجّه بسبايا آل البيت عليهم السلام إلى الشام، إلى الطاغية يزيد بن معاوية، وأمر أن يكبّل الإمام زين العابدين عليه السلام بالقيود، وأركب بنات الرسالة الإبل الهزّل تنكيلاً بهنّ، وهناك كان للسيدة زينب عليها السلام العديد من المواقف منها:

أ- أمن العدل يا ابن الطلقاء:
لمّا وصلت القافلة إلى الشام في مجلس يزيد وأظهر الطاغية فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ يهزّ أعطافه جذلاً متمنّياً حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم من ذريّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وراح يترنّم هذه الأبيات التي مطلعها:
لَيْــــتَ أَشـــــْيَاخِي بِبَدرٍ شَـهِدُو جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِـنْ وَقْعِ الأَسَـلْ

ولمّا سمعت العقيلة هذه الأبيات ألقت خطبتها الشهيرة بفصاحة أبيها عليّ عليه السلام وشجاعته وقد ضمّنتها أعنّف المواقف لفرعون عصره يزيد وممّا قالته عليها السلام:
"أَمِنَ الْعَدْلِ يَا بْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإمَاءَكَ وَسُوقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ سَبَايَا؟! قدْ هَتَكْتَ سُتورَهُنَّ، وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ، تَحْدُو بِهِنَّ الأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدِ إلى بلدٍ،.. وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالبَعِيدُ"..

ب- الدعاء على الظالم في محضره:
فقالت عليها السلام: ..."فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، ونَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ لاَ تَمْحُوَ ذِكْرَنَا، ولاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلاَ تُدْركُ أَمَدَنَا، وَلاَ تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا" .

ج- اليقين والتسليم بالحقّ:
فقالت عليها السلام مخاطبة يزيد - مؤكّدة أنّ نهج محمد لن يمحوه أحد

مهما عظمت التضحيات -: "كِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، ونَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَاللهِ لاَ تَمْحُوَ ذِكْرَنَا، ولاَ تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلاَ تُدْركُ أَمَدَنَا، وَلاَ تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا".

د- توبيخ يزيد الظالم في مجلسه:
حيث قالت عليها السلام: ".. وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وَأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وَأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَكَ، لَكِنِ الْعُيُونُ عَبْرىَ، وَالصُّدَورُ حَرّى" .

هـ- الظالم من حزب الشيطان:
فصرّحت عليها السلام قائلة: "أَلاَ فَالعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِقَتْلِ حِزْبِ اللهِ النُّجبَاءِ بِحِزْبِ الشَّيْطَانِ الطُّلَقَاءِ.." .

5- بعض ما يستنتج من خطبة زينب عليها السلام
أ- لقد كشفت الظنّ الزائف ليزيد بل لجميع الطغاة على مرّ التاريخ الذين يحسبون أنّ ما حقّقوه من غلبة على أعدائهم بالظلم والعدوان كرامة وقوة وعظمة، وهو في الحقيقة ضعف وخسارة، لأنّه تجاوز لحدود العقل والشرع والمنطق السليم، واستَشهدَتْ بقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ .

ب - كشف عمق الجريمة الأمويّة في هتك حرمات العائلة النبويّة من خلال الاستعراض العامّ لحرائر آل محمد من بلد إلى بلد وهي جريمة لا تدانيها جريمة أخرى وهي سبي بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ما لا تعرف له الإنسانيّة مثلاً في سابق عهدها.

ج - أعادت إلى الأذهان أنّ ما أقدم عليه يزيد امتداد لما أقدمت عليه جدّته هند وجدّه أبو سفيان في حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنّ هذه الجريمة هي امتداد لتلك الجريمة التي أقدمت عليها جدّته حين مضغت كبد حمزة عمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

د- أوضحت حقيقة إلهيّة أنَّ كلَّ جريمة أو فعل قبيح يقدم عليه الإنسان إنّما يضُرّ نفسه، ويحرق بها مستقبله ولهذا خاطبت يزيد قائلة عليها السلام: "فوالله ما فَريتَ إلّا جلدَك، ولا حززت إلّا لحمك" ، وإنّ الموت الحقيقيّ قد حلّ بك وبأضرابك وأسلافك، وإنّ الحياة الخالدة قد منحت للذين قتلتهم ومثلت بأجسادهم ورفعت رؤوسهم على الرماح وأكّدت ذلك باستشهادها بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .