في مقام السجود يدّعي المصلّي السالك أنه ليس في دار الوجود من موجود إلا الحق تعالى وهذا هو التوحيد الذاتي الذي يتحقق في السجود كما أشرنا، وسر ذلك يعود الى كون وضعية السجود تنفي ظهور أي شيء وحتى نفس المصلّي، ولا يبقى في المحضر إلا الله تعالى.

وعن السجود يقول الإمام الخمينيقدس سره: "وهو عند أصحاب العرفان وأرباب القلوب ترك النفس وغمض العين عمّا سوى الحق، والتحقق بالمعراج اليونسي الذي حصل بالغوص في بطن الحوت بالتوجّه إلى أصله بلا رؤية الحجاب، وفي وضع الرأس على التراب إشارة إلى رؤية جمال الجميل في باطن قلب التراب وأصل عالم الطبيعة.

وآدابه القلبية عرفان حقيقة النفس وأصل جذر وجوده ووضع أم الدماغ وهي مركز سلطان النفس وعرش الروح على أدنى عتبة مقام القدس ورؤية عالم التراب عتبة لمالك الملوك.

فسرّ الوضع السجودي غمض العين عن النفس وأدب وضع الرأس على التراب إسقاط أعلى مقامات نفسه من العين ورؤيتها أقل من التراب". "...ووضع رؤساء الأعضاء الظاهرة التي هي محال الإدراك وظهور التحريك والقدرة وهي الأعضاء السبعة أو الثمانية على أرض الذلّة والمسكنة علامة التسليم التام وتقديم جميع قواه والخروج من الخطيئة الآدمية".

فالسجود هو تعبيرٌ من المصلي عن تركه لرؤية نفسه وعن إغماض عينه عمّا سوى الحق تعالى، فعندما يسجد المصلّي فإنه لا يرى شيئاً حتى نفسه ويكون في وضعٍ ملائمٍ تماماً للتوجّه بكليّته إلى مالك الملوك.

فالسرّ في الوضع السجودي هو إغماض العين عن النفس، ووضع الرأس على التراب هو بحدّ ذاته إسقاطٌ لأعلى مقامات النفس وهو الرأس، ورؤيتها أقلّ من التراب.

والسرّ في وضع الأعضاء الظاهرة أي مواضع السجود - وهي محالّ الإدراك والتحريك والقدرة لدى الإنسان - على الأرض هو إعلان الذلّة والمسكنة والتسليم التام من العبد لمولاه وتقديم جميع قواه لله تعالى.

ولذلك فإن الآداب القلبية للسجود تكمن في معرفة حقيقة النفس وأصل وجود الإنسان وتذكّر نشأته بوضع الرأس على التراب الذي هو أصل الإنسان.

ومن الآداب القلبية للسجود إظهار الفقر والمتربة والمسكنة وإظهار كمال الخضوع والتذلّل والتواضع، وترك الاستكبار والعجب وإرغام الأنف عبر وضع الجبهة وهي مركز سلطان النفس وأشرف ما في الإنسان على أدنى عتبة لمالك الملوك وهي التراب.
فإذا قوي تذكّر هذه المعاني في القلب فإنّه ينفعل بها تدريجياً، فتحصل لديه حالةٌ هي حالة الفرار من النفس وترك رؤية النفس، ونتيجة هذه الحال حصول حالة الأنس بالله تعالى وبعبادته وتتحقّق الغاية من الصلاة المعراجية.

وينبغي أن لا يدّعي السالك هذه المعاني إن لم يكن متحققاً بها فعلاً، وإنّما عليه أن يتمسّك بعناية الحق جلّ وعلا ويسأله العفو عن تقصيره بالذلّة والمسكنة، لأن هذا المقام مقامٌ خطيرٌ جداً في نظر أرباب المعرفة.

ويمكن لنا أن نطّلع على آداب السجود في روايةٍ شريفةٍ واردةٍ عن الإمام الصادق عليه السلام:

"ما خسر والله من أتى بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرّة واحدة، وما أفلح من خلا بربّه في مثل ذلك الحال تشبيهاً بمخادع نفسه غافلاً لاهياً عمّا أعدّه الله للساجدين من أنس العاجل وراحة الأجل. ولا بعد عن الله أبداً من أحسن تقرّبه في السجود، ولا قرب إليه أبداً من أساء أدبه وضيّع حرمته بتعلّق قلبه بسواه في حال سجوده. فاسجد سجود متواضعٍ لله تعالى ذليلٍ علم أنه خلق من ترابٍ يطؤه الخلق وأنه اتّخذك ركب من نطفةٍ يستقذرها كلّ أحد وكوّن ولم يكن. وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسرّ والروح فمن قرب منه بعد من غيره، ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون؟ كذلك أمر الباطن فمن كان قلبه متعلّقاً في صلاته بشيءٍ دون الله تعالى فهو قريب من ذلك الشيء بعيدٌ عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته، قال عزّ وجلّ: ﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: لا أطّلع على قلب عبدٍ فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي إلا تولّيت تقويمه وسياسته ومن اشتغل بغيري فهو من المستهزئين بنفسه ومكتوبٌ اسمه في ديوان الخاسرين".

وقد جمع عليه السلام في هذا الحديث الشريف بين الأسرار والآداب، والتفكّر فيه يفتح للسالك إلى الله طرقاً من المعرفة ويقرع السمع بحقيقة الأنس والخلوة مع الحق وترك غير الحق.