ويُعلم بما مرّ كيف يمكن مواجهة هذه الحالة المهلكة، فمن عرف الأسباب هان عليه أمر الجواب. وفي منع حصول تلك العوامل والأسباب تكمن المجاهدة الحقيقيّة والتّزكية المطلوبة التي لا بدّ منها في هذه الحياة الدّنيا.

1- المعرفة
علاج هذا المرض المهلك هو بالمعرفة وفي إيقاظ الفطرة، وللمعرفة دورٌ كبيرٌ في هذه اليقظة.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "ومن المحتمل ـ يا عزيزي ـ أن يكون الأنس بهذه المعاني صعبًا على النّفس في بداية الأمر، وتزيد صعوبته عليها بالوساوس الشّيطانيّة والنّفسيّة، التي تسعى لبعث اليأس في الإنسان من إمكانيّة تحقيق تلك المعاني، وتصوّر أنّ سلوك طريق الآخرة والسّلوك إلى الله أمرٌ عظيمٌ وشاقّ.

فتقول له: إن هذه المعاني الخاصة بالعظماء فلا تناسبنا أبداً، وبل تسعى أحيانًا إلى جعله ينفر من هذه المعاني، لكي تصرفه عنها بأيّة وسيلة كانت، ولكن على طالب الحقّ أن يلجأ إلى الاستعاذة الحقيقية به تعالى من مكائد الشيطان الخبيث، ولا يهتم بوساوسه، فلا يوقع نفسه في وهم أنّ سلوك طريق الحقّ تعالى شاق، أجل هو يبدو شاقاً في بداية الأمر، ولكنّ الله يسهّل للإنسان إذا دخل هذا الطريق السّعادة ويقرّبها إليه".

2- التّوبة من الذنوب والمعاصي
لكنّ إيقاظ الفطرة قد يتطلّب أمراً آخر بالإضافة إلى المعرفة، حيث إنّ ارتكاب الذّنوب والمعاصي يؤدّي إلى خمود الفطرة عند الإنسان وانطفاء نورها تدريجيًّا... ولهذا فإنّ التّوبة هنا شرطٌ أساسيّ. فالذي يلحظ في نفسه نوعاً من اليأس فليعلم أنّه بالإضافة إلى نقصان معرفته وغلبة جهله، قد وقع في ذنوب أو معاص أو تبعات لذنوبٍ سابقة، وعليه أن يتطهّر منها... ومثل هذه الطهارة هي التي تستنزل محبّة الله...

يقول الإمام قدس سره: "أيها العزيز، إيّاك أن تسمح للشيطان والنفس الأمارة بالهيمنة عليك والوسوسة في قلبك، فيصوّران لك العمليّة جسيمة وشاقّة ويصرفانك عن التّوبة. اعلم بأنّ إنجاز الشّيء القليل من هذه الأمور يكون أفضل، ولا تيأس من رحمة الله ولطفه، حتى وإن كانت عليك صلاة كثيرة وصيام غير قليل، وكفارات عديدة، وحقوق إلهيّة كثيرة، وذنوب متراكمة، وحقوق الناس لا تعدّ، والخطايا لا تحصى، لأنّ الحقّ المتعالي يسهّل عليك الطّريق عندما تقوم بخطوات حسب قدرتك في اتّجاهه، ويهديك سبيل النّجاة".

ويقول قدس سره: "وإذا ابتُلي بالمعصية - لا سمح الله - أبدى بسرعة تبرّمه وانزعاجه منها، وندم عليها، وظهرت صورة ندمه في قلبه، وتكون نتيجة هذه النّدامة عظيمةً جدًّا، وآثارها حسنة وكثيرة، ثمّ يحصل من جرّاء ندمه العزم على ترك المعصية وترك مخالفة ربّ العالمين. وعندما يتوفّر هذان الرّكنان ، النّدم على اقتراف المعصية والعزم على عدم العودة إليها ، يتيسّر أمر سالك طريق الآخرة، وتغمره التّوفيقات الإلهيّة ليصبح حسب النّصّ القرآنيّ ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. وهذه الرواية الشريفة، محبوباً لله تعالى إذا كان مخلصاً في توبته".

3- التّواجد في البيئة المناسبة للإيمان
يحتاج كلٍّ واحدٍ منّا إلى التّواجد في البيئة التي تفعّل الإيمان في قلبه، واجتناب الأجواء التي تبثّ اليأس في نفسه. ويحذّرنا أمير المؤمنين عليه السلام من زمرة المنافقين الذين لا شغل لهم سوى إشاعة أجواء سوء الظّنّ بالله، وما يعقبه من قنوط ويأس من مواعيد ورجاءاته: "أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ، وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ. يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً، وَيَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً، وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَاد، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَاد، قُلوبُهُمْ دَوِيَّةٌ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ، يَمْشُونَ الْخَفَاءَ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ، وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ، حَسَدَةُ الرَّخَاءِ، وَمُؤَكِّدُوا الْبَلاَءِ، وَمُقْنِطُوا الرَّجَاءِ.

ولا شكّ بأنّ للمنافقين نفوذًا في كلّ أماكن تواجد المؤمنين. وإنّما كانوا من أهل النّفاق، لأنّهم يجاورونهم ويدخلون مداخلهم ويعملون في مؤسّساتهم ويسيرون إلى بيئتهم. وكم يحدث أن يقع المرء ضحيّة أقاويلهم التي تتمظهر بصورة النّقد أو الشّكاية أو الحقائق المنتقصة، بل إنّ بعض المنافقين قد لا يعرفون أنّهم مبتلون بهذا المرض، ولا يدرون أنّهم أسرى لهذا الداء العياء.

أمّا المؤمن الواعي الذي يُسمّى بالفقيه، فهو كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْفَقِيهِ، حَقِّ الْفَقِيهِ؟ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ".

4- الإسراع للمعالجة والتفكّر بالنّعم الإلهيّة
وعندما يدرك أحدنا أنّه مبتلىً بدرجة من اليأس، فعليه أن يسارع إلى التخلّص منها، لأنّ من شأن هذه الحالة المرضيّة أن تنتشر في كلّ زوايا القلب وتهيمن عليه في النّهاية، وعلامة الخلوص من هذه الصّفة المهلكة ستظهر في مبحث الرّجاء إن شاء الله تعالى.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "... فعلى الإنسان أن يبادر لمعالجة نفسه من هذه المعصية الكبيرة والمهلكة، فيتفكّر في مظاهر الرّحمة الواسعة للحقّ تعالى وألطافه الخفيّة والجليّة. فإنّه تبارك وتعالى ، قد خصّ الإنسان بألطاف ورحمات خاصّة، بل وميّزه بكرامات خاصّة حتّى في الرّحمات التي يشترك فيها مع سائر الحيوانات، بل ومع النّباتات أيضاً.

فمثلاً، إنّ الماء والهواء ـ وهما مدارا الحياة الحيوانيّة والنّباتيّة أيضاً ـ من النّعم التي نغفل عنها، لأنّنا غارقون فيها، فلا نعدّها نعمًا. لقد أعدّ الله جلّت قدرته للإنسان قبل ولادته أفضل الأطعمة المناسبة في تلك المرحلة، وخصّه بأن قذف في قلبي والديه محبّة أكثر ممّا هي الحال في الحيوانات الأخرى، إذ جعل في النّوع الإنسانيّ محبّة للبنين أقوى ممّا في غيره من الحيوانات الأخرى، لذلك فالبشر أكثر جديّة في حفظ الأولاد ورعايتهم وتربيتهم منها، وهذه المحبّة الاستثنائيّة تدفع الإنسان إلى خدمة أولاده طواعيّةً وعن رغبة دون منّة ولا طمع في الأجر.

فالأم تطوي الليالي الطويلة متحمّلةً مشقّة السّهر والمتاعب المضنية التي لا يمكن إجبار أحد على تحمّلها بأي قيمة، بل وترغب في هذه المتاعب من أجل أن يستريح وليدها، فتسهر لكي ينام طفلها العزيز هانئًا، وهذا انعكاس لمحبّة الله لابن آدم، وهي المحبّة التي ظهرت في قلوب الأمّهات. ومن الكرامات التي خصّ بها الإنسان هي أنّ ثدي الأم قد جعله الباري جلّت عظمته على نحو بحيث تحتضن الأم وليدها في صورة إكرامٍ واحترامٍ عند الرّضاعة.

هذا نموذج لمئات الآلاف من الكرامات الظّاهرة التي خصّ بها الإنسان في مرحلة الطّفولة والصّبا، وخصّه بنعم ورحمات أخرى في مختلف مراحل حياته يطول الكلام بذكرها، ولكنّ أعظم النّعم وأكمل الرّحمات هي نعمة التّربية المعنويّة بأشكالها المختلفة التي خصّ الله عزّ وجلّ بها الإنسان، مثل إنزال الكتب السّماويّة وبعث الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وفيها هداية الإنسان إلى ضمان السّعادة الأبديّة والرّاحة الدّائمة، فقد دلّه على سبيل الوصول إلى السّعادة الخالدة والكمالات الإنسانيّة، وكلّ هذه النّعم المتنوّعة والألطاف الخفيّة والجليّة التي أحاطت بالإنسان دون سابق خدمة منه أو عبادة، فكلّ نعمه تعالى ابتداء، وجميع رحماته مبادرة منه.

قبل ألف سنة وبضعة قرون أنزل إلينا القرآن الكريم ، الحاوي لأعلى مراتب المعارف الإلهيّة، والمتكفّل بتحقيق أسمى السّعادات الدينيّة والدنيويّة، على نبيّ هو الرّسول الخاتم، وهو أكرم الخلائق وأعظم الموجودات وأقربهم إلى الله وبواسطة جبرائيل الأمين أفضل ملائكة الله. وكلّ هذه كرامات لهذا الإنسان: فبأيّ خدمةٍ سابقةٍ وبأيّ عبادةٍ وطاعةٍ استحقّها؟ عميت عين القلب الذي يجد ويرى كلّ هذه النّعم والرّحمات، ثمّ يسمح لليأس أن يجد سبيله إليه!".