ما هي آثار اليأس ونتائجه؟
يذكر الإمام الخمينيّ قدس سره في معرض حديثه عن جنود الجهل، الذي هو رأس كلّ شرّ، عدّة آثار لمثل هذه الخصلة المدمّرة.

1- التّقاعس عن العمل والخروج عن العبوديّة
يقول الإمام قدس سره: "ونتيجة هذا اليأس والقنوط والحرمان، التّقاعس عن العمل وفقدان الجدّ والاجتهاد، وانقطاع حبل العبوديّة، وإطلاق لجام العبد".

2- صعوبة الإصلاح
ويقول الإمام قدس سره: "واعلم بأنّ اليأس من رحمة الحقّ من أعظم الذنوب، ولا أظنّ أنّ هناك ذنباً أسوأ وأشدّ تأثيراً في النفس من القنوط من رحمة الله، فإنّ الظّلام الدّامس إذا غشي قلب الإنسان اليائس من الرّحمة الإلهيّة، لما أمكن إصلاحه، ولتحوَّل إلى طاغية، لا يوجد سبيل للهيمنة عليه".

3- الابتعاد عن الحقّ
ولو تأمّلنا في كلّ واحدة من هذه الآثار لوجدناها كفيلةً بإخراج الإنسان عن صراط الله المستقيم. ولهذا، قال الإمام بأنّنا قد لا نجد خصلةً كاليأس من حيث إبعاد الإنسان عن الحقّ تعالى. وقد قيل بأنّ هذه الحالة هي غاية ما يصبو إليه إبليس عدوّ الإنسان. وليس غريباً أن يكون إبليس أوّل المتّصفين بهذه الصّفة الخبيثة. وسوف تتّضح أكثر وخامة هذه الحالة عند الحديث عن أسبابها، ويتكشّف كلام الإمام عن العديد من الدلالات المفيدة.

يقول الإمام قدس سره: "وهذه حال قلّما تجد نظيراً لها في إبعاد العبد الشقيّ عن حضرة مولاه الحقّ تعالى، وطرده عن مقامه القدسيّ، وحرمانه من رحمته الواسعة".

من أين ينشأ اليأس؟
1- الجهل بالله والكفر به
إنّ اليأس ـ كما مرّ ـ يترافق مع حالة من الإحجام والابتعاد، لكن ليس كلّ إحجام أو ترك يأسًا، فالخوف من الله تعالى يستلزم أن يتورّع الإنسان عن الكثير من الأمور في هذه الحياة الدّنيا، ولهذا كان لا بدّ من معرفة الفارق بين الخوف من الله واليأس منه.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "اعلم أنّ مصدر كلٍّ من الخوف من الحقّ تعالى، واليأس والقنوط من رحمته، مختلفان وآثارهما وثمارهما متمايزة أيضاً. فالخوف ناتجٌ من تجلّي جلال الحقّ ـ جلّ جلاله ـ وعظمته وكبريائه، أو من التّفكّر في شدّة بأسه ودقّة حسابه، ووعيده بالعذاب والعقاب، أو من رؤية العبد لنقصه وتقصيره في القيام بالأمر (الإلهيّ). ولا ينافي أيّ من هذه الأمور الرّجاء والثّقة بالرّحمة. وثمرة الخوف من الله الاجتهاد في القيام بأمر الله وتمام المواظبة على طاعته... أمّا القنوط واليأس من رحمة الحقّ تعالى فهو ناتج من تحديد وتقييد القانط للرّحمة الإلهيّة، وتوهّمه أنّ الغفران والعفو الإلهيّ أضيق من أن يشمل وجوده الذي لا قيمة له أساسًا. وهذا القنوط من أكبر الكبائر، بل هو إلحادٌ بأسماء الله، وباطنه كفرٌ بالله العظيم وجهلٌ بالمقام المقدّس للحقّ تعالى وحضراته الأسمائيّة والصّفاتيّة والأفعاليّة".

إنّ الشرّ الذي أشرنا إليه، كعامل لإبقاء الجهل والتّمسّك به لتبرير حالة اليأس، ليس سوى الكفر، ولهذا لا ييأس من رحمة الله إلّا الكافر، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.

فالكفر رفضٌ متعمّد للفرص الإلهيّة والعطاءات الربّانيّة. وإنّما يتمسّك الكافر بالمقولات الجهليّة والمغالطات العقائديّة ويصرّ على توصيف ربّه بصفات باطلة غير حقّانيّة من أجل تبرير إعراضه المستمرّ عن تلك الفرص العظيمة.

ولو تأمّلنا في حقيقة الأمر، ونظرنا إلى أحوالنا وما نحن عليه من حرمان، لربّما قطعنا بأنّه لا يسلم أحدٌ منّا من اليأس من روح الله. هذا الرّوح الذي يظهر في عالم الطّبيعة بصورة الهداية والرّحمة التي لا حدّ لها والفرص اللامتناهية والإمكانات التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "وهذا اليأس هو في الواقع نتيجة لتحديد رحمة الله، وهو ما يستلزم التّحديد في الأسماء والصّفات، بل وفي الذّات المقدّسة، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرًا".

2- احتجاب الفطرة
والعامل الآخر الذي يشارك في ترسيخ حالة اليأس في قلب العبد هو ما عبّر الإمام عنه مرارًا باحتجاب الفطرة، فإنّ "الفطرة (كما يقول الإمام) تدعو العقل إلى الكامل المطلق والرّحمة الواسعة على الإطلاق، فإنّها توصله إلى الرّجاء الكامل، وإذا احتجبت الفطرة عن نورانيّتها الأصليّة حُجبت عن الحقّ تعالى وكمالاته الذّاتيّة والصّفاتيّة وسعة رحمة ذاته المقدّسة، وقد يصل الاحتجاب أحيانًا درجة اليأس من رحمة الحقّ تعالى".

ويقول قدس سره: "وللعقل ـ بحسب فطرته الأصليّة السّليمة ـ معرفةٌ فطريةٌ بالحقّ تعالى، لأنّه غير محتجبٍ بحسب هذه الفطرة الذّاتيّة المخمّرة، إنّ الحجاب يتولّد من التّوجّه إلى الطّبيعة، وهي الشّجرة الخبيثة. وهي في عالم التّنزّل تلك الشّجرة المنهيّ عنها. وإذا لم يحجب الإنسان نفسه عن الحقّ تعالى بالتّوجّه إلى شجرة الطّبيعة الخبيثة، تجلّت فيه بهذا الصّفاء الباطنيّ انعكاسة حضرات الأسماء دون تحديد أو تقييد، وهذا التّجلّي يثمر التعلّق القلبيّ، والأنس والأمل، وهذا هو في الواقع الرّجاء الوثيق والأمل المستقر.

أمّا إذا توجّه إلى الشّجرة الخبيثة المنهيّ عنها، حصل عنده ـ بمقدار هذا التّوجّه ـ تقييدٌ وتحديدٌ في الأسماء والصّفات والأفعال الإلهيّة، وبالتّالي أصابه الجهل بسعة الرّحمة الإلهيّة. إلى أن يصل به الحال (مع اشتداد التّوجّه هذا) إلى الخروج بالكامل عن الفطرة، وغلبة أحكام الحجاب عليه، فتستولي الكدورات والظّلمة، على مرآة قلبه إلى حدّ حرمانه من عوالم الغيب وتجلّيات الأسماء والأفعال الإلهيّة، فيحتجب عن انعكاس التّجليات الرّحمانية، ويغلب عليه حكم اليأس والقنوط إلى درجة يعزل نفسه معها عن رحمة الحقّ تعالى الواسعة، وهذه هي غاية الخذلان، نعوذ بالله منه".

فالفطرة تطلب الكمال والخير، وتندفع نحوهما بكلّ شوق. وعندما يضعف هذا الاشتياق فينا ويقلّ الحماس والاندفاع نحو الأمور المعنويّة التي هي مظاهر الكمال في العالم، فهذا يعني أنّ فطرتنا قد أُسدل عليها أستار الحجب المختلفة. وأسوأ تلك الحجب ضعف العقل فينا وعدم قدرتنا على تمييز الكمال الواقعيّ عمّا عداه.

3- الشيطان
ففي بداية الأمر يكون الجهل بالله تعالى طبيعيًّا ومتوقّعًا نتيجة كون الإنسان في بدء نشوئه مخلوقًا طبيعيًّا صرفًا، وتكون الفطرة فيه على نحو القوّة لا الفعليّة والتّحقّق، وتكون التّوجّهات المعنويّة فيه كامنة وعلى نحو الاستعداد الصّرف، ولهذا نجد الأطفال سريعي اليأس وتعرض عليهم حالة القنوط عند أدنى سبب أو لا سبب، فيعلو صراخهم ويملأ الأرجاء بكاؤهم. لكنّ الخطأ الكبير قد يقع عندما لا يستجيب هذا الإنسان لنداء العقل ونوره الذي ينوّر مملكة الإنسان (وغالباً ما يكون هذا قبل سنّ البلوغ). فهذا النّور الإلهيّ يتّصل بنفسه ويسري إلى قلبه ليعرّفه على ربّه بما أراه الله من سعة رحمته. فلو رضي بالجهل عندها وركن إليه بالرّغم من ترادف الآلاء وترائي الآيات ولم يسعَ لدفعه بأدنى تفكّر، لسقط في الجهل المذموم... هذا الجهل الذي أشارت إليه النّصوص الشّريفة وعدّته منشأ كلّ شرّ.

فمع تواتر النّعم وتضافر الآلاء وامتلاء الأركان بالأسماء، كيف نبرّر للإنسان البقاء على الجهل الأوّل؟ اللهمّ، إلّا أن يكون هذا الجاهل ذا نفسٍ خبيثة وسريرةٍ شرّيرة. ففي مثل هذه الحالة الجهليّة الكفريّة، يدخل الشّيطان لبثّ حالة اليأس والقنوط في نفس الإنسان.

ولننظر كيف يخطّط هذا اللعين، وما هي المراحل التي يقطعها مع الإنسان الغافل حتّى يوقعه في هذه الموبقة المهلكة.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "إنّ من مكائد إبليس الخطيرة والدّقيقة، أن يوقع العبد في الغرور أوّلاً، ويجعله بذلك مطلق العنان (في نقض آداب العبوديّة). فينقله بذلك من المعاصي الصّغيرة إلى المعاصي الكبيرة، ومنها إلى الكبائر والموبقات. وبعد أن يلعب به مدّة بهذه الكيفيّة ويغرقه في بحر الغرور بوهم رجاء الرّحمة الإلهيّة ينقله في النّهاية إلى مستنقع القنوط واليأس من رحمة الله، ويقول له: لقد فاتك القطار فلا أمل في إصلاح أمرك، وذلك إذا رأى فيه بقيّة نور يمكن أن تهديه إلى التّوبة والإنابة. وهذه المكيدة الشّيطانيّة الخبيثة هي التي تجعل العبد يُعرض عن أن يطرق باب بيت الله، وتبعد يده عن التّمسّك بأذيال الرّحمة الإلهيّة، وهذا يُعدّ منشأ للكثير من الدّمار والمفاسد التي لا تُحصى، فضرر هؤلاء الأشخاص على أنفسهم وعلى غيرهم أكثر من ضرر أي شخصٍ آخر. وكلّ هذا هو نتيجة الوقوع في أعماق الجهل ومنتهى الشّقاوة".

4- سوء الظنّ بالله
"إنّ الرّجاء من الأمور الفطريّة، في حين أنّ القنوط ناتجٌ عن الاحتجاب عن الفطرة المخمّرة، فهو خلاف ما تقتضيه هذه الفطرة. ومبدأ الرّجاء حسن الظنّ بالله تعالى، في حين أنّ مصدر القنوط من رحمة الله، هو سوء الظنّ بذاته المقدّسة جلّ وعلا. وإن كان مصدر حسن الظنّ العلم بسعة الرّحمة الإلهيّة، والإيمان بالكمال الأسمائي والصّفاتي الفعليّ، ومصدر سوء الظنّ الجهل بذلك. فهما يرجعان، بالتّالي، إلى معرفة الذّات المقدّسة، والجهل بها".

5- حبّ الدّنيا
ولا يخفى أنّ حبّ الدّنيا يتوسّط كلّ هذه العوامل فيقوم بتغذيتها. فلولا حبّ الدّنيا لما وجد الشّيطان سبيلًا إلى قلب الإنسان لإلقاء الوساوس ولولا حبّ الدّنيا لما عمي بصر الإنسان عن كلّ هذه النّعم والعطاءات الربّانيّة، ولولا حبّ الدّنيا لما توجّه هذا الإنسان مندفعًا نحو المعاصي والذّنوب.

لهذا، يقول الإمام قدس سره: "إذاً، كلّما نظرتَ إلى هذه الدّنيا بعين المحبّة والتّعظيم، وتعلّق قلبك بها، ازدادت حاجتك بحسب درجات حبّك لها، وبان الفقر في باطنك وعلى ظاهرك، وتشتّت أمورك واضطربت، وتزلزل قلبك، واستولى عليه الخوف والهمّ، ولا تجري أمورك كما تشتهي، وتكثر تمنّياتك ويزداد جشعك، ويغلبك الغمّ والتّحسّر، ويتمكّن اليأس من قلبك والحيرة، كما وردت الإشارة إلى بعض ذلك في الحديث".