من هي الشّخصيّة اليائسة؟
لا شكّ بأنّ اليأس الذي عُدّ من الكبائر ومن الصّفات النّفسيّة القبيحة، بل ومن الأمراض الباطنيّة والقلبيّة المهلكة، هو اليأس من رحمة الله ومن روحه. أمّا اليأس من الدّنيا الفانية أو ممّا في أيدي النّاس ـ كما ورد في العديد من الأحاديث الشّريفة ـ فهو يأسٌ ممدوحٌ، لأنّه موافق للفطرة الإلهيّة التي تنفر من مطلق النّقص وتبغضه. ولهذا، وجدنا عبارة اليأس مستعملة بحقّ الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، بل إنّ الله تعالى يدعونا بطريقة غير مباشرة إلى هذا اليأس، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، لأنّ اليأس من الفقير والعاجز أمرٌ ينسجم مع الفطرة التي فطر الله النّاس عليها جميعًا.

واليأس حالة وجدانيّة تتلازم مع الإعراض عن الميؤوس منه، وعدم السّعي نحوه أو طلبه، مع ما يصاحب ذلك من حزن أو غمّ في النّفس، وتقاعس وتكاسل في الأعضاء والجوارح.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "فلعلّ المقصود (بالطّمع) هو الأمل مع عدم رؤية العمل، وعدم الاتّكال عليه، وهذا من مقامات العارفين بالله الذين تركوا أنفسهم وأعمالهم وهاجروا من منزل كيانهم وبين الأنا والأنانية، وداسوا على رأس مملكة وجودهم، وتحرّروا من كلا النشأتين فتطلّعت عيونهم للحبيب وعميت عن نفوسهم وأعمالهم، فأحيت تجلّيات الرّحمة الإلهيّة قلوبهم، فكسروا قدم السير والسلوك، ومدّوا أيدي طمعهم إلى الحقّ تعالى ورحمته، وانقطعوا عن كل ما سواه وتعلّقوا به.

وبناءً على هذا التفسير، فإنّ اليأس هنا ـ وهو ضدّ الطّمع... فيكون عبارة عن اليأس من الرّحمة، سواء أكان مطيعاً أم عاصياً، أو أن يكون متّكلاً على طاعته مؤمّلاً ما يرجو من عمله، فهذه الحال هي أيضا ـ في مسلك أهل المعرفة ومشرب العرفان الأسنى ـ من مصاديق اليأس من الرّحمة الإلهيّة وتحديد سعتها... وكون اليأس من جنود الجهل ومخالفًا لمقتضيات الفطرة السّليمة، فهو من الواضحات، لأنّ... التّوجّه إلى "الأنا" والإقبال على الأنانيّة وفروعها ، ومنها النّظر إلى العمل ، هو من الأخطاء الجهليّة للفطرة المحجوبة التي تتميّز بالعجب وحبّ النّفس واتّباع هواها".

والمهم أن نتعرّف على خطورة هذه الحالة على ديننا وآخرتنا، بل حتّى على دنيانا التي ينبغي أن نتزوّد منها بالمقدار اللازم لآخرتنا. ومن لم يتزوّد من دنياه لآخرته أوشك على التوقّف وقطع الطّريق على نفسه للوصول إلى الله تعالى، ومن كلام لأمير المؤمنين عليه السلام: "فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُم‏".