لو توضّحت شخصية فاطمة الزهراء(ع) لأذهاننا البسيطة وأنظارنا التي لا تبصر إلاّ القريب، لآمنّا نحن أيضاً أنها (ع) سيّدة نساء العالم أجمعين.
إنّها المرأة التي بلغت في عمرها القصير مراتب معنوية وعلمية توازي مراتب الأنبياء والأولياء.
والواقع أنّ فاطمة فجر ساطع انبلجت من جنبة شمس الإمامة والولاية والنبوّة، وهي سماء عُليا ضمّت بين جوانحها كواكب الولاية الوضّاءة.
فاطمة الزهراء (ع) كلمة الله الزاخرة بالمضامين وهي كالبحر اللجّي العميق. كلما غار فكر الإنسان وذوقه والمواهب الدقيقة لأصحابها (المواهب في هذا المجال أكثر) وكلما تدبّر وتأمل أكثر، كلما حصل على جواهر أكثر.
«ولدت بنت النبي(ص) الكريمة في السنة الخامسة للبعثة طبقاً للقول المشهور، وعلى هذا فإن عمر فاطمة الزهراء(ع) حين الاستشهاد كان 18 عاماً. وقيل إنّ ولادة هذه السيّدة الكريمة كانت في السنة الثانية أو السنة الأولى للبعثة، فيكون الحدّ الأكثر لعمرها 22 أو 23 عاماً.
ولو أخذتم جميع القيود التي يمكن أن تحيط بالمرأة ـ خاصّة في تلك الفترة حيث كانت القيود أكثر - فعند ذلك ترون العظمة التي أثبتتها هذه السيدة المكرّمة في تلك الظروف وخلال هذا العمر القصير، وبالطبع إنّني لا أتمكّن أن أتكلّم عن الجوانب المعنوية والروحية والإلهية لتلك السيدّة الكريمة، فأنا أصغر من أن أُدرك تلك الأُمور، وحتّى لو استطاع شخص إدراك ذلك فإنّه لا يستطيع وصفها وبيانها كما هو حقّها، فتلك الجوانب المعنوية هي عالم آخر».
المقام المعنوي للزهراء(ع):
قد روي عن الإمام الصـادق(ع) أنّه قال: «إنّ فاطـمة كـانت مُحَـدّثة»، أي أنّ الملائكة كانت تنزل عليها وتأنس معها وتحدّثها، وهناك روايات عديدة في هذا المجال.
وإنّ كونها محدّثة لا يختصّ بالشيعة فقط، فالشيعة والسنّة يعتقدون أنّه كان هناك أشخاص في صدر الإسلام- أو من الممكن وجودهم- كانت تحدّثهم الملائكة، ومصداق هؤلاء في رواياتنا هي فاطمة الزهراء(ع).
وقد ورد في هذه الرواية عن الإمام الصادق(ع) بأنّ الملائكة كانت تأتي فاطمة الزهراء(ع) وتتحدّث معها وتقرأ عليها آيات الله.
وكما أنّ هنـاك تعبيراً في القرآن حول مريم(ع) في الآية: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، فإن الملائكة كانت تخاطب فاطمة الزهراء(ع) وتقول: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ».
ثمّ يقول الإمام الصادق(ع) في هذه الرواية بأنّ الملائكة في إحدى الليالي كانت تتحدّث مع فاطمة(ع) وكانت تذكر هذه العبارات، فقالت فاطمة الزهراء(ع) لها: «أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم»؟ فقالت الملائكة لفاطمة الزهراء(ع): إنّ مريم كانت المفضّلة على النساء في زمانها وفاطمة مفضّلة على النساء في كلّ الأزمنة من الأوّلين والآخرين.
إنّ كل ما نقوله حول الزهراء(ع) قليل، وفي الحقيقة إنّنا لا نعلم ما يجب قوله في الزهراء(ع) وما يجب التفكير فيه، فالأبعاد الوجودية لهذه الحوراء الإنسية والروح الخالصة وخلاصة النبوة والولاية، واسعة ولا متناهية وغير قابلة للإدراك وهي بصورة بحيث يتحيّر الإنسان فيها.
فكما تعلمون فإن المعاصرة تعتبر من الأمور التي تمنع الإنسان من معرفة الشخصيات بصورة جيدة، فغالباً لم تعرف النجوم الساطعة في عالم البشرية في حياتهم من قبل معاصريهم، إلاّ مَنْ ندر من العظام كالأنبياء والأولياء، وهؤلاء أيضاً عرفوا من قبل أفراد معدودين فقط.
إلاّ أن فاطمة الزهراء(ع) كانت في عصرها بصورة بحيث لم يمتدحها أبوها وبعلها وبنوها وخواص شيعتهم فحسب، بل إنها كانت تُمتدح حتى من قِبَل أولئك الذين لم تكن لهم علاقات سليمة معها.
ومن خلال تكريم أمير المؤمنين (ع) لها، وما ورد في شأنها من الروايات والأحاديث ندرك العظمة التي تموج في كلمات الأئمة الأطهار بحق الزهراء (ع)، فإن كل واحد من الأئمة يعد بحراً متلاطماً من المعرفة التي تروي عطش البشرية وتنعشها، وإنّ جميع هذه المنابع تصدر من عين فاطمة الزهراء (ع)، وإنّ روايات الصادقين، وعظمة الإمام موسى بن جعفر والرضا والأئمة من بعدهم إلى الحجة المنتظر(ع) ما هي إلاّ ينابيع لذلك الكوثر الذي لا ينضب.
من كتاب(قدوتنا الصديقة فاطمة الزهراء ع).